مقال

أرملة الراحل حيدر ابراهيم حياة عبيد .. تكتب ..زوجي وتوأم روحي : لا أكتب عن حيدر الكاتب والمفكر أو عالم الاجتماع، لكن أكتب عن حيدر الإنسان والزوج الزاهد !

 

 

 

   تربطني بحيدر صلة الدم، وهو ابن الخال والخالةو. هو ابن المدينة بحكم عمل والده، وأنا بنت القرية. كان يعشق القرية ويحب جده لأمه، لذلك يحضر في الإجازة حاملا كتابه في يده، وهو الطالب الجامعي وأنا تلميذة في المرحلة الوسطى. كان يقضي معظم أيامه في بيتنا تحت أشجار المنقة وخرير الماء في الجداول من حوله، راقدًا في عنقريب هبابى (دون فرش) ممسكا بكتابه، منخفض النظرات. كنت أنظر إليه كأخ نفرح بوجوده معنا.

نمت بيننا علاقة أخوية، فأصبح يهديني مجلة روز اليوسف وصباح الخير ومعهم رواية. انتقلت أنا للثانوي وانتقل هو للتدريس. كان يرسل لي في الداخلية بالبريد كل شهر المجلات والرواية، وبداخلهم رسالة صغيرة.

بدأ يكتب مطولًا عن الأدب والشعر، حتى جاء اليوم الذي عبّر فيه عن رغبته في الارتباط بي وطلب مني أن أفكر ثم أرد عليه. لا أخفي عليكم، من أول رسالة شعرت بأنه الشخص الذي أتمنى الارتباط به. كان يكتب معلقات دون غزل صريح، لكن دروس في الحياة. حقيقةً عشقته من خلال الأحرف، وما زلت أعشق كل ما يكتب.

لكن بكل أسف اصطدم حبنا بمعارضة من الأهل لأسباب يرونها هم ولا نراها نحن. صُدمنا وراح كل منا يندب حظه؛ أنا بكبريائي وهو بكرامته وعزة نفسه. أخيرا، بعد ثلاثة عشر عاما، تزوجنا. كذلك تعرضت علاقتنا بعد أن أنجبنا مظفر لهزة كادت أن تهدم عش المحبة والوفاء لأسباب لا يد لحيدر فيها. أما أنا فوجدت نفسي في مهب الريح، لكن حيدر بصبره وحكمته عالج الأمور دون الإساءة لأي طرف، وهذا من رضاء الله عليه.

حيدر ظل زاهدا في ملذات الحياة؛ لا يشرب ولا يتناول السجائر ولا الصعود. يقول: ليس لأني متدين، لكن لأنني أعشق الحرية ولا أحب أن يمتلكني شيئا.

حيدر لم أره يوما عدّ نقودا، ولا تعلم شماله ما أعطت يمينه. حيدر ذهب ولا يمتلك منزلا ولا مالا، لكن عشنا بكل السعادة والمحبة والرضا. سُئلت يوما: ما هو شعورك وليس لديك منزل؟ كان ردي: منزلي هو الرضا والحياة السعيدة. كنت أقول له مازحة: “زوجة دكتور لا تلبس الذهب ولا تملك الفلل!” يقول: “الدهب ما بلبس دهب”. كان حلو الحديث مبتسما دائما. حيدر عمل لي توكيلا شاملا في حسابه المصرفي، وقال لي: حسابي هو حسابك، تسحبي ما شئت. ليس لأنه يحبني فقط، لكنه كان يؤمن بأن الحياة الزوجية شراكة حقيقية.

حيدر جعل من بيته ملاذا للطلبة حين غدرت بهم طيور الظلام. حيدر جعل من المركز بيت السودان في الوقت الذي بيعت فيه بيوت السودان في معظم الدول. حيدر تحمل الكثير من أجل السودان. كنت أقول له: أريد أن أفتح قلبك، لا أعرف كيف تتحمل ولا ترد! يقول: والله يا حياة، لم يصبح يوما وأنا أحمل في نفسي شيئا من الأمس. كان حليمًا عند الغضب، لا يرد إلا في لحظة صفاء موضحًا أو معاتبًا.

كان حيدر إنسانًا محبًا لكل ما هو جميل. كان إنسانًا متسقًا مع نفسه؛ ما يقوله لسانه هو ما في قلبه. رقيق كالنسمة، قوي عند قول الحق. يحب الفقراء والمساكين. كان صاحب نكتة حاضرة. كان بارا بوالديه وإخوته. كان صديقًا وصاحبًا لمظفر وأنديرا، أبنائه. لم يتغير حبه لي طيلة خمسة وأربعين عاما مشيناها معا.

 

 

   حيدر خلال خمسة و أربعين عاما إذا ناولته كأس ماء يقول: شكرا. وإذا أكل وجبة يقول: تسلم ايدك. حيدر حين يخرج من البيت يودعك، وإذا عاد يسلم بحرارة. سكن معنا لفترة محدودة أحد المعارف، فسأل يوما: “انتم دايما كدا؟”. كانت صديقاتي يقلن: انت بتدلعي حيدر. أقول: حيدر تدلعه أخلاقه ودماثة روحه.

ذهب حيدر وترك جرحًا عميقا في نفسي لا يلتئم إلا بذكراه الطيبة. ومن نعم الله عليّ أن مظفر وأنديرا يحملون كل صفاته

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى