اقتصاد

محمد مراد بدر منير .. يكتب .. محرقة الجنيه السوداني: حين يلتهم الدولار قوت شعب تحاصره الحرب !

 

 

 

في الخامس عشر من أبريل 2023، حين انطلقت الرصاصة الأولى للحرب في السودان، كان سعر صرف الدولار الأمريكي يحوم حول 550 جنيهاً سودانياً. اليوم، وفي مشهد يعكس انهياراً اقتصادياً غير مسبوق، يقفز الدولار متجاوزاً حاجز الـ 10,000 جنيه، في وتيرة تدهور جنونية تمثل انحداراً بنحو عشرين ضعفاً في غضون ثلاث سنوات فقط. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية نقدية في شاشات التداول غير الرسمية، بل هو زلزال يضرب أسس الحياة اليومية ويهدد ما تبقى من شريان البقاء لملايين السودانيين.

*شلل الاقتصاد الكلي وانحسار الإنتاج*
لم يكن سقوط الجنيه مفاجئاً في ظل بيئة اقتصادية تعرضت لتدمير ممنهج؛ إذ تشير التقديرات إلى انكماش الاقتصاد السوداني بأكثر من نصف حجمه قبل النزاع، وتوقف شبه كامل للصادرات الحيوية مثل الذهب والمحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية. تحولت موازنة الدولة إلى ما يشبه “اقتصاد الخنادق”، حيث تآكلت الإيرادات الضريبية والجمركية بنسبة تفوق 80%، ولجأت السلطات النقدية إلى تغطية الإنفاق الحربي وشراء الوقود عبر الاستدانة وطباعة النقود، مما صب الوقود على نيران التضخم الجامح.
على المستوى الجزئي، دخلت الأسواق المحلية في شلل تام. لم تعد دورة رأس المال تعمل بصورة طبيعية؛ فالتاجر الذي يبيع بضاعته صباحاً يعجز عن إعادة شرائها مساءً بالهامش ذاته نتيجة التآكل اللحظي لقيمة العملة. أدى ذلك إلى إغلاق آلاف المتاجر والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، تاركة ملايين العمال في مواجهة البطالة القسرية وفقدان مصدر الرزق الوحيد.

*مفارقات مؤلمة: الراتب الذي يعجز عن شراء وجبة*
تجلت المأساة بأقسى صورها في المعيش اليومي؛ فبينما تحلق أسعار السلع الأساسية كالدقيق والزيت وحليب الأطفال والأدوية في مدارات الدولار، بقيت الأجور مسمرة في قاع ثابت، إن صُرفت أصلاً.
تحول الواقع إلى مسرح لمفارقات مبكية؛ حيث بات راتب طبيب عمومي أو أستاذ جامعي أو موظف دولة لأكثر من ثلاثين عاماً لا يتعدى ما يعادل 15 إلى 25 دولاراً أمريكياً — مبلغ بالكاد يكفي لسد رمق أسرة ليومين أو شراء شريط دواء لأمراض مزمنة كالسكر أو الضغط. أصبحت الرواتب مجرد أرقام فلكية في الدفاتر، لكنها مجردة تماماً من القوة الشرائية، في وقت فقدت فيه الغالبية الساحقة من المواطنين مدخراتهم إما بالنهب المباشر للمنازل والبنوك أو بالتبخر التدريجي تحت وطأة التضخم.

*ردود الفعل الرسمية: مسكنات على جسد مأزوم.*
أمام هذا المشهد الشاذ، اتسمت قرارات وتحركات السلطات المالية والنقدية بالطابع الأمني والاضطراري بدلاً من المعالجة الهيكلية. تركزت التدابير على:
* ملاحقة تجار العملة وتجميد الحسابات المصرفية المشتبه في تغذيتها للمضاربات.

– فرض قيود صارمة على التحويلات المالية عبر التطبيقات البنكية (مثل “بنكك”).
– محاولات متفرقة لضبط حركة الصادر، وتوجيه عائدات الذهب حصرياً للبنك المركزي.
ورغم هذه الخطوات، يرى خبراء الاقتصاد أن هذه الإجراءات تظل عاجزة عن وقف النزيف لأنها تعالج العَرَض وتتجاهل المرض الأساسي: شح النقد الأجنبي، وغياب الاحتياطيات الدولية، وتوقف عجلة الإنتاج الداخلي.

*هل بلغ التدهور قاعه؟*
الإجابة الواقعية والصادمة هي: *لا*. في غياب أي أفق سياسي لوقف إطلاق النار، فإن سيناريو الانزلاق نحو “التضخم المفرط” (Hyperinflation) على غرار التجارب التاريخية لزيمبابوي أو فنزويلا يظل خطراً ماثلاً. طالما بقيت آلة الحرب تدور وتلتهم الموارد، وفتح الاعتمادات الاستيرادية معتمداً على السوق الموازي، فإن الجنيه معرض لمزيد من التهاوي نحو مستويات قياسية جديدة تتجاوز التوقعات الراهنة.

*المخارج الممكنة والمعالجات المطلوبة*
لا توجد حلول سحرية في فلك الاقتصاد المعزول، إلا أن حزم الإنقاذ العاجلة تتطلب مسارات متوازية:
١. *الوقف الفوري للنزاع واستعادة الاستقرار الأمني:* هو الشرط الحاكم لعودة النشاط الاقتصادي وحركة الصادر وإعادة فتح الموانئ والمعابر البرية.

٢. *برنامج تمويلي دولي طارئ:* تدفق منح وقروض ميسرة من المؤسسات الدولية لضخ سيولة نقدية عاجلة ودعم الاحتياطي النقدي للبنك المركزي.

٣. *وقف التمويل بالعجز:* كبح جماح طباعة النقود بدون غطاء إنتاجي أو احتياطي ذهبي، وإعادة هيكلة الإنفاق الحكومي بالكامل.

٤. *تفعيل مظلة أمان اجتماعي مدعومة دولياً:* استبدال الأجور المتآكلة بتحويلات نقدية أو عينية مباشرة مدعومة من المنظمات الإنسانية لإنقاذ الفئات الأكثر هشاشة من شبح المجاعة المحدقة.

إن معركة الجنيه السوداني اليوم لم تعد شأناً يخص خبراء المال، بل هي معركة وجود تمس كرامة الإنسان السوداني وحقه في الحصول على رغيف الخبز وجرعة الدواء في وطن أرهقته النزاعات.

محمد مراد بدر منير
الخميس ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى