مصطفى مرزوق .. يكتب .. كهرباء مطار بورتسودان .. مواصفات المولدات تفتح باب الأسئلة الصعبة

في مطار بورتسودان الدولي، لا تتوقف أهمية الكهرباء عند حدود إنارة المرافق وتشغيل المعدات، بل تمتد إلى استمرارية العمليات الجوية والخدمات الحيوية التي لا تحتمل الانقطاع. ومع الاعتماد الكبير على المولدات لتأمين احتياجات المطار من الطاقة، تبرز أسئلة فنية تتجاوز عدد وحدات التوليد إلى مدى ملاءمتها لطبيعة التشغيل الفعلية وكفاءة المنظومة في مواجهة الأحمال المتواصلة.
تضم محطة الكهرباء الرئيسية خمس وحدات توليد، بينها مولدان من شركة Caterpillar بقدرتي 1000 و810 KVA، وثلاثة مولدات من نوع Perkins بقدرة 1000 KVA لكل منها، وهي الوحدات المرتبطة بنظام مشاركة الأحمال.
وعلى الرغم من أن تعدد المولدات يوفر خيارات تشغيلية متعددة، فإن وجود خمس وحدات لا يكفي وحده للحكم على موثوقية المحطة. فالمعيار الحقيقي هو القدرة المتاحة فعلياً، ومدى توافق مواصفات المولدات مع الأحمال، وكفاءة أنظمة التبريد والتحكم، والقدرة على التعامل مع الأعطال دون التأثير في استمرارية الخدمة.
◼️ المسألة تبدأ من تصنيف المولدات :
تتمثل إحدى أبرز النقاط التي تستحق الفحص في تصنيف مولدات Perkins الثلاثة، إذ تشير البيانات المتاحة إلى تصنيفها ضمن فئة Standby Power، المخصصة أساساً لتوفير الطاقة الاحتياطية عند تعطل المصدر الرئيسي.
في المقابل، فإن الاعتماد على المولدات لفترات تشغيل طويلة يطرح تساؤلاً مشروعاً حول مدى توافق هذا التصنيف مع نمط الاستخدام الفعلي في المطار.
فمولدات Prime Power مصممة لتطبيقات تتطلب توفير الطاقة لفترات ممتدة، مع التعامل مع تغيرات الأحمال وفق الحدود التي تحددها الشركة المصنعة. أما مولدات Standby فلها شروط تشغيلية مختلفة، ولا يعني تصنيفها أنها غير قادرة على العمل لساعات طويلة، وإنما أن استخدامها يجب أن يظل ضمن حدود التصميم والتشغيل المعتمدة.
وهنا تكمن النقطة الفنية الجوهرية:
هل يتوافق نمط تشغيل مولدات المحطة مع تصنيفها الأصلي؟
أم أن ظروف التشغيل فرضت عليها أعباء تستدعي مراجعة هندسية؟
الإجابة لا تُستخلص من التصنيف وحده، بل تتطلب الرجوع إلى بيانات الشركة المصنعة وساعات التشغيل ومستويات الأحمال وسجلات الصيانة.
التشغيل المتواصل.. فاتورة تتجاوز الوقود :
كلما ارتفعت ساعات تشغيل المولدات، ازدادت أهمية إدارة الصيانة الوقائية ومراقبة استهلاك الوقود والزيوت ومعدلات تآكل المكونات.
لكن الكلفة لا ترتبط بعدد ساعات التشغيل وحده، بل تتأثر أيضاً بمستوى الحمل ودرجة الحرارة وكفاءة المحرك وحالته الفنية وطبيعة الصيانة المنفذة.
وفي بيئة تشغيلية تتسم بارتفاع درجات الحرارة، تكتسب أنظمة التبريد أهمية إضافية. فأي قصور في التخلص من الحرارة قد يؤدي إلى تراجع الأداء أو زيادة احتمالات الأعطال، بحسب طبيعة الخلل وظروف التشغيل.
كما أن التعامل مع المراوح ومكونات التبريد أو استبدالها بأخرى مختلفة المواصفات لا ينبغي أن يكون مجرد معالجة موضعية للعطل، بل إجراءً يستند إلى المطابقة الفنية مع متطلبات المحرك والمولد وتوصيات الشركة المصنعة.
ومن دون بيانات موثقة عن استهلاك الوقود وساعات التشغيل والأعطال وتكاليف الصيانة، يصعب تحديد ما إذا كانت المحطة تعمل بكفاءة اقتصادية مقبولة أم تتحمل أعباء تشغيلية يمكن الحد منها.
◼️ خمس وحدات لا تعني بالضرورة خمس فرص للإنقاذ :
تبدو المحطة، من حيث العدد، وكأنها تمتلك تعدداً في مصادر التوليد. لكن الاعتمادية لا تُقاس بعدد المولدات المركبة، وإنما بقدرة الوحدات المتاحة على تغطية الأحمال الحرجة، وبمدى قدرة المنظومة على مواصلة العمل عند خروج إحدى الوحدات من الخدمة.
وتزداد أهمية هذا الجانب عند النظر إلى نظام مشاركة الأحمال. فنجاح هذا النظام يعتمد على توافق المولدات وتجهيزاتها وأنظمة التحكم والحماية والمزامنة، وليس على تقارب قدراتها الاسمية فقط.
أما الوحدات التي لا تعمل ضمن نظام المشاركة، فإن دورها في دعم المنظومة يتوقف على طريقة ربطها وتجهيزاتها وإجراءات نقل الأحمال المعتمدة.
وعليه، فإن السؤال ليس ما إذا كان المطار يمتلك خمسة مولدات.. بل كم وحدة يمكن تشغيلها فعلياً في الوقت نفسه؟
وما القدرة المتاحة بعد استبعاد الوحدات المتوقفة أو الخاضعة للصيانة؟
وهل تكفي القدرة المتبقية لتغطية الأحمال الأساسية عند تعطل أحد المولدات الرئيسية؟
هذه الأسئلة تحدد الفارق بين تعدد المعدات والاعتمادية التشغيلية الحقيقية.
◼️ أين تقف الإدارة الفنية أمام هذه المؤشرات؟ :
لا يقتصر التقييم المطلوب على فحص المولدات كلٌّ على حدة، بل ينبغي أن يشمل منظومة الطاقة بكامل عناصرها، من تقدير الأحمال الحالية والمتوقعة إلى كفاءة توزيعها، وأنظمة المزامنة وتقاسم الأحمال، والوقود والتبريد، والصيانة وتوافر قطع الغيار.
كما أن مراجعة سجلات الأعطال والتوقفات غير المخططة يمكن أن تكشف ما إذا كانت المشكلات متفرقة أم تشير إلى نمط متكرر يستدعي تدخلاً أوسع.
وفي هذا السياق، تبرز مجموعة من الأسئلة التي تستحق إجابات فنية موثقة:
* ما التصنيف الرسمي لكل مولد وفق بيانات الشركة المصنعة؟
* كم تبلغ ساعات تشغيل كل وحدة، وما متوسط الأحمال التي تتحملها؟
* ما حجم استهلاك الوقود والزيوت مقارنة بمعدلات التشغيل والأحمال؟
* كم بلغت تكاليف الصيانة وقطع الغيار خلال السنوات الأخيرة؟
* ما عدد الأعطال والتوقفات غير المخططة، وما أسبابها؟
* هل تتوافق مكونات التبريد المستخدمة مع المواصفات المعتمدة؟
* ما القدرة الاحتياطية المتاحة عند خروج إحدى الوحدات الرئيسية من الخدمة؟
* وهل توجد خطة معتمدة لتأهيل المحطة وتطويرها وفق احتياجات المطار الحالية والمستقبلية؟
الإجابة عن هذه الأسئلة هي المدخل الموضوعي لتقييم أداء المنظومة، بعيداً عن الاستنتاجات التي لا تسندها بيانات تشغيلية.
◼️ من معالجة الأعطال إلى إعادة تقييم المنظومة :
إن استمرار الاعتماد على التوليد الكهربائي يجعل التخطيط طويل الأجل ضرورة تشغيلية، لا مجرد خيار تطويري. فالمعالجة الفعالة تبدأ بتدقيق فني شامل يحدد القدرة المطلوبة فعلياً، ويقارنها بالقدرة المتاحة، ويراجع مدى ملاءمة المولدات لظروف التشغيل، ثم يضع أولويات الصيانة والتأهيل والإحلال وفق المخاطر والكلفة.
وقد تشمل الخيارات تحسين إدارة الأحمال، ورفع كفاءة الصيانة الوقائية، وتأمين قطع الغيار الحرجة، وتطوير أنظمة المراقبة والتحكم، أو إحلال بعض الوحدات إذا أثبت التقييم الفني عدم ملاءمتها للاحتياجات التشغيلية.
لكن اختيار أي من هذه الخيارات ينبغي أن يستند إلى دراسة هندسية واقتصادية، لا إلى افتراض مسبق بأن المولدات الحالية غير صالحة للتشغيل.
ففي المطارات، لا تُقاس كفاءة منظومة الطاقة بما تنتجه من كهرباء فحسب، بل بقدرتها على توفيرها باستقرار، وبالكلفة المقبولة، وبمستوى الاعتمادية الذي تتطلبه العمليات.
و السؤال الذي لا يمكن تأجيله : في ظل اعتماد مطار بورتسودان الدولي على منظومة التوليد الحالية، لا تكمن القضية في عدد المولدات وحده، ولا في تصنيفها الفني بمعزل عن ظروف استخدامها، بل في مدى التوافق بين التصميم الأصلي ومتطلبات التشغيل الفعلية.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل تمتلك محطة كهرباء مطار بورتسودان القدرة والاعتمادية اللازمتين لمواصلة التشغيل تحت الضغط، أم أن الوقت قد حان لمراجعة هندسية شاملة تكشف الفجوات وتحدد كلفة معالجتها قبل أن تتحول إلى مخاطر تشغيلية أكبر؟
الإجابة لا تحتاج إلى تكهنات، بل إلى بيانات واضحة عن الأحمال وساعات التشغيل والأعطال والصيانة والقدرة الاحتياطية. وهي بيانات ينبغي أن تشكل أساس أي تقييم مهني لمنظومة تمثل الكهرباء فيها أحد شروط استمرارية العمل بالمطار …في مطار بورتسودان الدولي، لا تتوقف أهمية الكهرباء عند حدود إنارة المرافق وتشغيل المعدات، بل تمتد إلى استمرارية العمليات













