مقال

محمد ضياء الدين .. يكتب .. البرهان يبحث عن مخرج.. والخيارات تضيق! “روسيا ليست جمعية خيرية” !

 

 

 

 لم تعد مشكلة الفريق البرهان مقتصرة على تعقيدات الحرب وصعوبة حسمها عسكرياً. فالمتغيرات الإقليمية والدولية تضيق مساحة هامش المناورة أمامه، وتضع رهاناته الخارجية أمام إختبارات صعبة. واضح أن الرجل يبحث عن مخرج لأزمته، لكن الطرق التي راهن عليها لم تعد مفتوحة كما يتصور.

في هذا الصدد تأتي زيارته الأخيرة إلى موسكو، بحثاً عن دعم سياسي وعسكري واقتصادي، مقدماً عروضاً تتعلق بالتنقيب عن الذهب والمعادن، وإنشاء منطقة إقتصادية روسية على ساحل البحر الأحمر، وتخزين الوقود والقمح، وتطوير السكك الحديدية. وهي تنازلات تعكس حجم الرهان على موسكو وحاجة البرهان إلى توسيع خياراته.

واللافت أن بوتين أكد خلال لقائه بالبرهان أن روسيا تدعو إلى وقف العمليات العسكرية في السودان والانتقال إلى تسوية سياسية، وأبدى إستعداد بلاده للمساعدة في تطبيع الأوضاع. وهي رسالة ذات دلالة مهمة، فالبرهان الذي جاء بحثاً عن الدعم، وجد أمامه موقفاً روسياً معلناً يدفع باتجاه إنهاء الحرب، لا منح غطاء مفتوح لاستمرارها.

لعله من المفيد أن نؤكد، “روسيا ليست جمعية خيرية”، ولا تحركها إعتبارات الوفاء للحلفاء. ففي نوفمبر 2017، ذهب البشير إلى موسكو في إطار ذات المساومة على ساحل البحر الأحمر، متوسلاً لبوتين لمواجهة الضغوط الشعبية الداخلية والضغوط الأمريكية، وقدم السودان بوابة لروسيا نحو أفريقيا، وأبدى إستعداده لمنحها موقعاً على الشاطئ الأحمر. ومع ذلك لم تنقذه تلك التوسلات من السقوط في أبريل 2019. وكذلك بشار الأسد، الذي حظي بدعم عسكري روسي واسع، دون أن تستطيع موسكو منع سقوط نظامه في ديسمبر 2024. فروسيا تحكمها مصالحها وحسابات القوى الدولية، ولن تخوض مغامرة مفتوحة من أجل عيون السودان أو البرهان.

وعلي خلاف ذلك تكشف العلاقات الروسية الإثيوبية حدود هذا الرهان. فقد أعلنت أديس أبابا في 28 أكتوبر تسلم مقاتلات سوخوي Su-35 من روسيا، مع ترتيبات للحصول على منظومات S-400. وفي الوقت الذي يبحث فيه البرهان عن دعم موسكو، تعزز الأخيرة تعاونها العسكري مع إثيوبيا، رغم التوترات السودانية الإثيوبية والاتهامات المتبادلة بشأن التدخل في الحرب.

وفي المقابل، يواجه البرهان إحتمال تراجع هامش الدعم الإريتري الذي ظل يمثل أحد مرتكزات علاقاته الإقليمية. فإريتريا، التي قدمت دعماً مهماً للجيش السوداني، تجد نفسها اليوم أمام تصعيد إثيوبي متزايد، وصل إلى التهديد بالمواجهة العسكرية، في ظل إتهامات متبادلة بالتدخل في الصراع الإثيوبي، وتوترات متصلة بمطالبة أديس أبابا بالحصول على منفذ إلى البحر الأحمر. وهذا التطور يضع أسمرا أمام أولويات أمنية مباشرة تتعلق بحماية حدودها وسيادتها، ويستنزف جزءاً من قدرتها على مواصلة دورها الإقليمي السابق. ومن ثم فإن البرهان قد لا يجد في إريتريا، المنشغلة بتأمين جبهتها الشرقية، ذات هامش الحركة والإسناد الذي كان يعوّل عليه. وهكذا تضيق خياراته في محيطه المباشر، بالتزامن مع تعقيدات رهانه على موسكو.

وقد يتساءل البعض ما الذي يدفع روسيا للتعاون مع إثيوبيا، وهي دولة حبيسة لا تملك منفذاً بحرياً، بينما يمتلك السودان ساحلاً طويلاً على البحر الأحمر وموانئ وثروات معدنية وزراعية؟ المسألة عند موسكو لا تتوقف عند إمتلاك الشاطئ أو غيابه، فإثيوبيا بثقلها السكاني والعسكري تمثل سوقاً مهماً للسلاح وشريكاً مؤثراً في القرن الأفريقي، فضلاً عن طموحها للوصول إلى البحر الأحمر. أما السودان، فرغم ما يملكه من مقومات، فإن الحرب والانقسام السياسي وتعدد مراكز القرار وقضية الشرعية تجعل الاستثمار الاستراتيجي أكثر مخاطرة. فامتلاك الثروات والموقع لا يكفي ما لم تتوافر دولة مستقرة قادرة على تحويلهما إلى أوراق تفاوض.

أما البحر الأحمر، فقد يتحول من ورقة يستثمرها البرهان للحصول على الدعم إلى مصدر توتر جديد مع جيرانه. فالوجود الروسي العسكري أو اللوجستي على ساحل البحر الأحمر السوداني، إذا تحول إلى إتفاق فعلي لن يكون شأناً ثنائياً، وستتعامل معه مصر والسعودية والولايات المتحدة وإثيوبيا وفق حساباتها الأمنية والاستراتيجية.

عربياً لم تعد المواقف متطابقة. فمصر رغم مساندتها للجيش، تدعو إلى إنهاء الحرب والحفاظ على وحدة السودان. والسعودية تواصل جهود الوساطة وحماية أمن البحر الأحمر، بينما تمثل الإمارات بدعمها الدعم السريع الذي تنفيه، أحد مصادر تعقيد الأزمة. وهكذا لم يعد البرهان يملك مظلة عربية موحدة تضمن له مواصلة الحرب دون ضغوط.

ودولياً لا يعني التعامل مع البرهان قائداً للجيش الاعتراف بالشرعية السياسية لحكومته. فعضوية السودان في الاتحاد الأفريقي لا تزال معلقة منذ إنقلاب 25 أكتوبر 2021، وتظل السلطة القائمة في نظر كثير من الأطراف سلطة أمر واقع. كما أن تعدد المبادرات الدولية واتساع المشاورات مع القوى المدنية يؤكدان أن مستقبل السودان لن تحدده حكومة البرهان وحدها.

وفي الداخل، تتفاقم كلفة الحرب مع إنهيار الاقتصاد وتزايد هجمات المسيرات واتساع الدمار، وتتراجع فرص الحسم العسكري بينما تتضاعف معاناة المواطنين. وهي أوضاع تجعل إستمرار الحرب عبئاً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً يصعب تجاهل نتائجه.

البرهان يبحث عن مخرج، وقد تكون زيارة موسكو محاولة للحصول على أوراق جديدة قبل أي تفاوض. غير أن الرهان على الخارج لن يوفر له ضمانة البقاء، ولن يحسم حرباً تتداخل فيها مصالح إقليمية ودولية متعارضة.

لقد ضاقت الخيارات واستحكمت حلقاتها، وأصبح إستمرار الحرب يحمل مخاطر تتجاوز قدرة أي طرف على التحكم في نتائجها. والمخرج لن يكون في البحث عن حليف جديد أو تقديم المزيد من التنازلات، وإنما في الذهاب إلى تفاوض جاد ينهي الحرب، ويعيد القرار إلى الشعب السوداني، ويفتح الطريق أمام سلطة مدنية ديمقراطية تعبر عن إرادته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى