عبدالباقي جبارة ..يكتب .. ” فزع الحروف ” ..أفراح تاج الختم.. نجمة الإجادة والرصانة .. أخطأتها القنوات الكبرى !


توطدت علاقتي مع الزميلة العزيزة أفراح تاج الختم في بلاد المنفى، حيث احتضنتنا مصر ضمن الملايين من أبناء شعبنا الفارين من ويلات الحرب، حين تحولنا نحن، كصحفيين، إلى قصص إنسانية تستحق الشفقة، بعد أن كنا نلهث لملاحقة قصص المنكوبين والشرائح الضعيفة. لكن، بقدرة قادر، اجتهدنا نحن الصحفيين في تحويل قصصنا المأساوية إلى قصص ملهمة، فكان زملاؤنا وزميلاتنا الصحفيون يلاحقون روايات الحرب وفظائعها، فأصبحوا ألسنة الضحايا، وعيونًا تكشف خفايا الانتهاكات، ومعاول لكبح جماح الطغاة. استعنا بمواقعنا الصحفية المتواضعة، وبعضهم أطَلَّ عبر بعض القنوات المحلية والدولية، وبعضهم عبر حساباته الشخصية على وسائل التواصل، وهذا أبقى الصحافة، فعلًا وقولًا، ذاكرة الأمة رغم أنف الحرب.
على المستوى الشخصي، استعنت بالزميلة أفراح تاج الختم مديرةً للتحرير في موقعنا “ترياق نيوز”، وللحقيقة والتاريخ، عملت معي وزيَّنت اسم موقعي دون مقابل، لهدفين أساسيين: أولًا لأنها قلم يأبى النسيان، وثانيًا لأنها شغوفة بمهنتها. وقد قبلت أن تعمل دون مقابل، ليس لأنها ثرية أو زاهدة في المال، ولكن لأنها أدركت عن قرب الوضع الذي نعمل فيه، والتقت أهدافنا في أن الصحفي لا يكون له سكون أو تقاعس عن واجبه إلا في القبر، وهناك من سكن القبر وما زال عطاؤه مرشدًا وهاديًا.
وهنا تعرفت على إمكانيات أفراح الهائلة عن قرب. وصراحةً، فهي دقيقة في تجويد أي عمل تقدمه إلى أبعد حد. وكان أول طلب طلبته مني أن نترك لها مراجعة الأخطاء اللغوية في موقعنا، والخطوط، والعناوين. فوجدت أفراح تحرص على تقديم أي عمل، ولو كان رسالة شخصية، بمستوى لغة إعلامية رصينة.
ثانيًا، تتمتع بالخلق الرفيع، والابتكار، والأفكار المنتجة للقصص. وصراحةً، بعد فترة وجيزة، وجدت فرصة في قناة “إسنايبر”، وفرحت لها، لأنها شغوفة بالظهور على الشاشة، وبالتأكيد أثبتت حضورًا طاغيًا، وفي وقت وجيز خلقت شبكة مصادر هائلة، وتوطدت علاقتها مع كل الذين استضافتهم، بجانب تقديمها لبرامج جديدة، إضافة إلى زخم القنوات التي تملأ الفضاء، وهو أمر لا يسهل على أي شخص القيام به.
والأهم من ذلك، تتمتع أفراح بخلق رفيع وتعامل راقٍ مع الجميع. إنسانة بعيدة عن الروح الخلافية، وتحب العمل الجماعي، ولها ثقة كبيرة بنفسها، ولا تعرف “سياسة” الحفر، ولا ترى في تفوق الآخرين خصمًا عليها، وتستطيع أن تضيف جديدًا في أي مكان تحل فيه، ولا تميل إلى الاستعراض بمحتوى هزيل.
وأعتقد جازمًا أنها إعلامية وصحفية من طراز فريد، لم تجد بعد الميدان الواسع الذي يمكن أن تبرز فيه إمكانياتها غير المتوقعة. وأعتقد أن ما كتبته عنها كلمات متواضعة، وهي تستحق أن تكتب عنها أقلام أرفع من قلمي هذا، وخبراء في هذا المجال أعلم مني. لكنها شهادتي المتواضعة في حقها، وكان لا بد منها، بعد أن وجدت الرسالة التالية التي ختمت بها حياتها في إحدى المحطات، حيث كتبت التالي:
عام من البناء شكرًا اسنايبر
غادرتُ مطلع يوليو الماضي منصة اسنايبر بعد عامٍ كامل من العمل المتواصل، حاملةً معي تجربةً مهنية أعتز بها؛ لأنها لم تكن مجرد تقديم برنامج تلفزيوني، بل مسؤولية إعلامية سخّرت لها خلاصة خبرتي الصحفية، ووقتي، وعلاقاتي المهنية، وإيماني بأن المحتوى الجاد يبدأ بالبحث، ويكتمل بالتحليل، ويُقاس بالأثر الذي يتركه.
قبل عام، طرح الأستاذ مجاهد العجب، مدير البرامج، فكرة برنامج “السودان في الصحافة العالمية”، وأسند إليّ مسؤولية إعداده وتقديمه.
ومنذ ذلك اليوم بدأت رحلة يومية من البحث والقراءة والمتابعة، بهدف تقديم برنامج يقرأ السودان من نافذة الصحافة العالمية، ويضع ما يُكتب عنه في سياقه، بعيدًا عن الاكتفاء بنقل الخبر أو إعادة تداوله.
كانت كل حلقة تبدأ قبل موعد بثها بأيام. أتنقل بين الصحف والمجلات والمراكز البحثية العالمية، من مصدرٍ إلى آخر ، أقرأ وأترجم وأقارن، حتى أصل إلى أكثر القضايا استحقاقًا للنقاش، ثم أبني محاور الحلقة، وأبحث عن الشخصية الأكثر تخصصًا وقدرةً على إثراء الملف المطروح.
ولم يكن اختيار الضيوف يومًا عشوائيًا، بل نتيجة بحثٍ وتحضيرٍ ومقارنة. فكل حلقة كانت تسبقها عشرات الاتصالات والرسائل والتنسيق مع الضيوف، مستندةً إلى شبكة علاقات مهنية بنيتها على امتداد أكثر من عقد من العمل الصحفي المتواصل، لإقناع نخبة من الدبلوماسيين والباحثين والأكاديميين والخبراء بالمشاركة. وبعد انتهاء البث، لم تكن المهمة تنتهي؛ إذ كنت أتابع المحتوى، وأستخرج المقاطع المختصرة (Reels)، وأنتقي أبرز التصريحات بما يضمن وصولها إلى أكبر شريحة ممكنة من الجمهور.
خلال عام واحد، أنجز البرنامج 29 حلقة، استضفت فيها أكثر من عشرين ضيفًا من بلدان عديدة
وكان من دواعي اعتزازي أن البرنامج استضاف نخبة من الشخصيات العربية البارزة. لجمهورية مصر العربية النصيب الأكبر من ضيوف البرنامج، بحكم ما تضمه من نخبة من الدبلوماسيين والباحثين والخبراء المتخصصين في الشأن السوداني، ومنهم على سبيل المثال : الأستاذة أسماء الحسيني، مدير تحرير صحيفة الأهرام، والدكتورة أماني الطويل، مديرة البرنامج الأفريقي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، والسفير الدكتور صلاح حليمة، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق ونائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية، والسفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق للشؤون الأفريقية.
كما استضاف البرنامج شخصيات بارزة من السعودية ،ليبيا ،إريتريا، إثيوبيا، من بينهم الدكتور علي العنزي، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود وعضو مجلس الشورى السعودي السابق، والدكتور الشريف عبدالله، مدير المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية، والدكتور إبراهيم حامد، الدبلوماسي الإريتري السابق والباحث في الشؤون الأفريقية.
وشهد البرنامج الظهور الأول عبر منصة إعلامية سودانية لعدد من الدبلوماسيين والباحثين والخبراء، الذين اختاروا المشاركة فيه لإثراء النقاش حول القضايا السودانية وتقديم قراءات متخصصة لها.
ومنذ الحلقة الأولى، التي استضافت الأستاذة أسماء الحسيني وحققت أكثر من ثمانية آلاف مشاهدة، كان هدفي أن يقدم البرنامج قيمة تحليلية حقيقية، تتجاوز نقل الخبر إلى تفسيره وربطه بسياقه السياسي والإقليمي.
ولعل أكثر ما أعتز به أن أثر البرنامج لم يتوقف عند شاشة العرض؛ فعلى مدى أكثر من ستة أشهر متواصلة، تناقلت أكثر من خمسة عشر موقعًا صحفيًا وإخباريًا سودانيًا، وأحيانا” مواقع عربية، أخبار البرنامج وتصريحات ضيوفه بصورة منتظمة. ولم يقتصر الأمر على إعادة نشر الأخبار، بل أعادت بعض المواقع تحرير عدد من الحلقات في صورة حوارات صحفية مكتوبة، كما تصدرت بعض الحلقات عناوين الصحف السودانية، واستندت قنوات سودانية إلى أبرز تصريحات الضيوف ضمن موجزاتها الإخبارية.
وجاء كل ذلك بالتوازي مع مسؤولياتي المهنية الأخرى؛ إذ واصلت تحرير نشرة أخبار يومية بصورة منتظمة لأكثر من عشرة أشهر، إلى جانب المشاركة مؤاخرا” في إعداد برنامج إذاعي متكامل خلال الفترة من أواخر مايو وحتى مطلع يوليو من هذا العام، مستضيفًا أكثر من سبعة عشر ضيفًا، ما جعل إدارة الوقت والالتزام بمعايير الجودة جزءًا أصيلًا من التجربة.
ورغم أنها تجربتي الأولى في تقديم البرامج التلفزيونية، فإنها جاءت امتدادًا لمسيرة صحفية امتدت لأكثر من عشرة أعوام ، بدأت في الصحافة المكتوبة، التي تدرجت فيها وصولا” لرئاسة قسم التحقيقات بصحيفة اليوم التالي، والعمل كبير المنتجين بمكتب قناة الغد بالخرطوم، ثم مراسلةً لإذاعة مونت كارلو الدولية من الخرطوم، إلى جانب مشاركات مهنية عربية ودولية، ودورات تدريبية متخصصة في الإعداد والتقديم، وهي خبرات سعيت إلى توظيفها في حلقات البرنامج.
أتقدم بخالص الشكر إلى قناة أسانبير على الثقة التي منحتني إياها، وإلى الأستاذ مجاهد العجب على ثقته في إسناده إليّ إعداد وتقديم البرنامج ، وإلى الدكتور نادر العبيد، المدير العام للقناة، على دعمه.
كما أتوجه بالشكر إلى جميع الزملاء / ت الذين تشرفت بالعمل معهم: خباب النعمان، وعلاء الدين عثمان، والمخرجين محمد يوسف ومحمد يسري، و في الصوت شرف سمبل، و المونتاج محمد صغيرون، ومحمد طارق، والتصوير نادر الهندي، والزميل حسن البدري في النشر الإلكتروني، ولكل من كان جزءًا من نجاح التجربة.
ويمتد شكري إلى جميع الضيوف الذين منحوا البرنامج من وقتهم وخبراتهم
أغادر هذه التجربة راضيةً عمّا قدمته، بعدما سخّرت لها كل ما أملك من وقت، وجهد، وخبرة، وعلاقات مهنية، إيمانًا بأن قيمة أي عمل تُقاس بما يتركه من أثر.
شكرًا أسانبير .. والشكر موصول لكل ضيف، وزميل، ومتابع، كان جزءًا من الرحلة.
وإلى لقاء قريب في محطة إعلامية جديدة.






