مقال

محمد كندشة .. يكتب .. حرب السرديات: عندما يتحول الصراع السياسي إلى عرقي !

 

 

 

طالعت في الآونة الأخيرة موجة تدوينات لنشطاء على منصات التواصل الاجتماعي تعيد تعريف حرب أبريل، وتختزلها في أنها “حرب ضد عرب دارفور”، وتطلق عليهم توصيف “عرب الشتات”. وتزامن هذا الخطاب مع قرارات دولة النيجر بنزع الجنسية من قبائل لها امتدادات مع عرب دارفور، مما منح السردية الجديدة زخماً إضافياً.
إن جوهر الخطر هنا ليس في تبادل الاتهامات، بل في محاولة نقل الحرب من مربع الصراع السياسي والعسكري إلى مربع الصراع الإثني. فالحرب في أصلها تدور بين القوات المسلحة وحلفائها من الكتل السياسية والعسكرية متعددة الأعراق، وبين قوات الدعم السريع وتحالفها السياسي والعسكري الذي يضم هو الآخر مكونات متنوعة. لكن الإصرار على تصويرها كحرب “وجود” ضد مكون بعينه يفرغها من سياقها ويحولها إلى صراع هوية.
التراشق الإسفيري بين أنصار المعسكرين حول هذه النقطة يمثل منعطفاً خطيراً. فهو لا يرفع فقط كلفة الحرب المادية والإنسانية، بل يفتح الباب أمام تعبئة أوسع تحت شعارات عرقية. وتصبح كل رواية تُنتج على وسائل التواصل وقوداً إضافياً لاستمرار القتال.
والأخطر أن هذا المسار يرسم مستقبلاً قاتماً لدارفور حتى في حال توقفت الحرب غداً باتفاق أو انفصال. فزرع بذور القطيعة بين عرب دارفور والمكونات الإفريقية سيترك هوة يصعب ردمها، ويحول التعايش إلى تحدٍ وجودي.
المفارقة أن الواقع الميداني يكذب هذا الاختزال. ففي صفوف الجيش تقاتل مكونات من عرب دارفور، وفي صفوف الدعم السريع وحلفائه توجد إثنيات غير عربية. أي أن الحرب لا تسير على خط عرقي واضح كما تحاول السرديات الجديدة تصويره.
لا شك أن إطالة أمد الحرب ستواصل إنتاج سرديات جديدة في كل مرحلة. والمتوقع أن تستثمر قوات الدعم السريع، بعد خسائرها في بعض المحاور، هذه الرواية التي يروج لها بعض نشطاء المكونات الإفريقية، لتقابلها الرواية المقابلة في معسكر الجيش التي تصف الطرف الآخر بـ “آل دقلو”.
ختاماً، تحويل حرب أبريل إلى صراع عرقي هو أقصر الطرق لإطالة أمدها وتعقيد نهاياتها. فالسودان لا يحتمل حرباً جديدة داخل الحرب. وما لم يتم كسر هذه السرديات وإعادتها إلى إطارها السياسي، فإن فاتورة المستقبل ستكون أكبر بكثير من فاتورة اليوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى