اعمدة

عبدالباقي جبارة .. يكتب .. “فزع الحروف” .. “مشاعر” لازم تنتصر. !

خلال الفترة السابقة جمعتني مكالمة هاتفية مع أحد القانونيين البارزين في معسكر ( الحرب )، وكان محور الحديث يدور حول جدلية (لا للحرب وبل بس). وعندما اقتنع بأن حجة رفضنا للحرب وشعار "لا

 

 

خلال الفترة السابقة جمعتني مكالمة هاتفية مع أحد القانونيين البارزين في معسكر ( الحرب )، وكان محور الحديث يدور حول جدلية (لا للحرب وبل بس). وعندما اقتنع بأن حجة رفضنا للحرب وشعار “لا للحرب” لا ينطويان على تماهٍ مع طرف ضد طرف، أو عمالة كما يروج دعاة الحرب الذين يستقوون بالسلطة ضد خصومهم السياسيين، وكم من ضحايا نُكِّل بهم وزُجَّ بهم في السجون لمجرد أنهم جاهروا بفطرتهم السليمة برفض هذه الحرب العبثية.

وعندما واجهت ذلك القانوني بهذا الاتهام، لم ينفِ ذلك، بل اختزل الأمر في مواقفنا نحن الصحفيين الرافضين للحرب وسردياتها، فقال لي بالحرف الواحد: (أنتم كصحفيين الخوف عليكم من زملائكم وليس من السلطة الحاكمة). وفي هذه النقطة تحديداً كان صادقاً، والشواهد كثيرة فيما لحق بنا من زملاء كنا نعدهم من الأخيار، فـ(ركبوا) موجة المزايدات على زملائهم، وآخرون لا وزن لهم ولا قيمة وجدوا ضالتهم، وخلت لهم الساحة بسبب هذه الحرب التي كشفت كثيراً من العورات، فامتطوا النجومية الزائفة والوطنية المصطنعة.

وأصبحت الشعارات الرنانة مثل الثياب الفضفاضة، والتي حتماً ستهترئ قريباً أو تلفحها رياح أقرب تغيير أو نضوب لمواعين المصالح، وحينها ستنكشف العورات التي سترفضها حتى بالوعة مزبلة التاريخ.

لا أرغب في التطرق لهذه المسائل، لكن هنالك مشاهد لا تحتمل التأجيل، ومن حقنا أن نحتمل ما يلينا، ولكن العيب علينا إذا صمتنا تجاه ظلم زملاء، ما أصابهم قد يدمر حياتهم إلى الأبد لولا لطف الله الذي جعلهم أقوى من كل ما أصابهم.

من هؤلاء الزميلة الكاتبة الصحفية والإعلامية البارعة مشاعر عبد الكريم. هذه الإنسانة الأخلاق تمشي على رجلين، لها ابتسامة ككاسحة ألغام تزرع الإيجابية أينما حلت، وتبدو كإنسان بلا هموم، وهي تغطي على هموم الدنيا وإن كانت مثل الجبال، لتطيب خاطر الآخرين. وهي تقيل عثرات غيرها وكأن الدنيا قد حيزت لها، ولا تدري أنها تطوي لها من البلاء ما تنوء بحمله الجبال.

وهي تُبتلى في فقد أعز ما لديها؛ والدتها وشقيقتها، وهي سنة الله في خلقه: (وإنك ميت وإنهم ميتون). ولكن حقاً الموت يوجع الأحياء، وخاصة إذا كان الموت قهراً. ويا ليته قهر إفرازات هذه الحرب اللعينة التي أصابت كل بيت سوداني، لكن قهر مشاعر وظلم مشاعر أشد مضاضة؛ لأنه أتى من ذوي القربى الذين كانت تحسبهم سنداً لها.

ولكنها رحمة الله التي وسعت كل شيء. وسط هذه العتمة، يسر الله لها ما لم يكن في الحسبان، وجعل لها قلباً على البلاء محتسباً، وجسداً على الابتلاء صابراً. ثم فتح الله لها باباً للأمل والحياة بأن يسر نفراً من خيارنا، أناساً يحركهم نداء الإنسانية، ولا تُغل أيديهم خطابات الحقد أو الكراهية.

حيث أطلق النداء رائدنا الذي لا يكذب أهله، الزميل الحبيب خالد أبو شيبة، نحسبه عند الله رجلاً تُقضى على يديه حوائج الناس، حُبِّب الخير إليه وحُبِّب أهل الخير إليه، وهو صادق صدوق، ما أطلق نداءً إلا وجد استجابة كالسيل المنهمر. ولم يكن ذلك إلا لصدق نواياه ونقاء مقصده.

وأما كل الذين وقفوا مع مشاعر، فلم ينظروا إلى ذلك من باب المنة أو مجرد الصدقة والإحسان، بل يرون أن ذلك من حق مشاعر عليهم. ونظر كل واحد منهم إلى مشاعر باعتبارها واحدة من أسرته، وهي بالفعل من أسرة أهل الصحافة والإعلام وأهل العلم والاستنارة، الذين لا تفرق بينهم جهة أو قبيلة أو أي انتماء آخر.

فلذلك لم يصبح المال تحدياً لانتشال مشاعر من وهدتها، بل كان التحدي أن تستلم مشاعر هذه الرسالة بمعناها ووجهها الحقيقي:

(مشاعر.. أنتِ منا، وانكساركِ انكسارنا، وضياعكِ ضياع نخوتنا، وضياع لحمتنا، وضياع إنسانيتنا. أنتِ لازم تظلي قوية لنستمد منك الأمل وقوة الإرادة، ونستمد منك قيم هذا الشعب وكرامته الحقيقية. ولتعلمي، عزيزتي، أنكِ لستِ وحدكِ).

ويجب أن تعلمي بأن هذه المحبة لم تأتكِ من فراغ، بل لخير زرعتيه ؛ منه ما يعلمه الناس، ومنه ما لا يعلمه إلا الله. وإن كانت كلمة حق أو كلمة طيبة، فلذلك لازم تعود مشاعر القوية، مشاعر سمراء السودان التي فيها نفس الأخت الحبيبة، والأم القريبة، والمرأة الحنونة.

واعلمي بأن المرض ابتلاء رباني، والعلاج قرار، فأرجو أن تقرري بأن تنتصري.

واعلمي… لازم مشاعر تنتصر بإذن الله الواحد الأحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى