مقال

محمد مراد بدر منير .. يكتب. .. رسالة عاجلة إلى مدير جامعة الخرطوم وبقية مدراء الجامعات … جامعة الخرطوم تتجاهل قرار رئيس الوزراء… وتحوّل الطلاب والأساتذة إلى ضحايا إداريين

 

 

لم يكن توجيه رئيس الوزراء البروفيسور كامل إدريس باستمرار عمل المراكز الجامعية خارج السودان مجرد إجراء إداري عابر، بل كان قرارًا يحمي حق الطلاب في التعليم، ويحفظ سلامتهم، ويمنع تفكيك الجامعات السودانية إلى أجزاء متفرقة لا يجتمع فيها الطالب ولا الأستاذ ولا المنهج. غير أن جامعة الخرطوم، وبعض الجامعات الأخرى، ما زالت تتصرف وكأن هذا التوجيه لم يصدر، وتستمر في فرض العودة الحضورية داخل الخرطوم رغم أن جزءًا كبيرًا من طلابها وأساتذتها خارج السودان أو في مناطق نزوح.

*قرار حكومي واضح… وتطبيق جامعي غائب*
في 26 أكتوبر 2026، وجّه رئيس الوزراء وزارة التعليم العالي والبحث العلمي إلى أن تستمر المراكز الجامعية خارج السودان في العمل إلى حين توفيق أوضاعها وفق الضوابط والاشتراطات المعتمدة. وهذا التوجيه لم يكن تراجعًا عن مسؤولية الدولة، بل اعترافًا ضمنيًا بأن ظروف الحرب ما زالت تجعل العودة الكاملة إلى الحرم الجامعي غير ممكنة لآلاف الطلاب والأساتذة.

لكن جامعة الخرطوم لم تُعلن، بحسب المتاح من التقارير، إعادة فتح مراكزها الخارجية أو تقديم خطة واضحة للتعليم الهجين بعد التوجيه الرئاسي. بل واصلت تجهيز مجمعاتها داخل الخرطوم واستقبال الطلاب فيها، وكأن القرار الحكومي الذي يراعي سلامة الطلاب وجودة التحصيل الأكاديمي لا يخصها.

*جامعة مقسّمة… وطلاب محرومون*
لم تكن جامعة الخرطوم قبل الحرب مجرد مبانٍ في الخرطوم، بل كانت مؤسسة وطنية ينتسب إليها طلاب من كل الولايات، ومن كل الدول التي لجأ إليها السودانيون بعد الحرب. واليوم، وبعد أن أغلقت الجامعة مراكز الامتحانات والتدريب خارج السودان وخارج ولاية الخرطوم، تحولت الجامعة إلى مؤسسة تفرض على الطلاب خيارًا قاسيًا: إما السفر إلى الخرطوم رغم المخاطر والتكاليف، أو البقاء خارج التعليم.

هذا ليس تنظيمًا أكاديميًا، بل تقسيمٌ للطلاب إلى فئات: من يملك المال والقدرة على السفر والإقامة داخل الخرطوم يكمل دراسته، ومن لا يملكها يُترك خلف الركب. والأدهى أن هؤلاء الطلاب ليسوا متسربين ولا مقصرين، بل ضحايا حربٍ لم يختاروها، وحُرموا من حقهم في التعليم بسبب قرار إداري لا يراعي واقعهم.

*الأساتذة أيضًا جزء من الجامعة*
لا يمكن فصل قضية الطلاب عن قضية الأساتذة. فتقرير اللجنة التسييرية لنقابة أساتذة جامعة الخرطوم كشف أن 71% من الأساتذة المستجيبين للاستبيان ما زالوا خارج السودان، وأن نسبة كبيرة من المرافق والسكن الجامعي تعرضت للدمار.

كيف يمكن لإدارة جامعة أن تطالب طلابًا بالحضور داخل الخرطوم، بينما أغلبية أساتذتها خارج البلاد، ومعاملها وقاعاتها وسكنها متضررة؟ هذا تناقض صارخ لا يمكن تفسيره إلا بأن الجامعة تدير الورقة الإدارية، لا الواقع الأكاديمي والإنساني.

*السلامة ليست رفاهية*
لا يمكن أن يكون الحضور داخل الخرطوم معيارًا للجدية الأكاديمية، بينما الطلاب يواجهون مخاطر أمنية وصعوبات في التنقل والإقامة والمعيشة. فالتعليم الجيد لا يُقاس بوجود الطالب داخل قاعة درس، بل بقدرته على الوصول إلى المعرفة بأمان وكرامة.

ورئيس الوزراء، عندما وجّه باستمرار المراكز الخارجية، لم يكن يمنح الجامعات “رفاهية”، بل كان يعترف بأن سلامة الطلاب وأساتذتهم أولوية، وأن استمرار التعليم عبر المراكز الخارجية هو الحل الواقعي حتى تتحسن الأوضاع.

*ماذا ينتظر الطلاب والأساتذة؟*
الطلاب والأساتذة لا يطلبون إلغاء جامعة الخرطوم أو إضعافها، بل يطلبون أن تبقى جامعة وطنية حقيقية لا تُقصي طلابها بسبب موقعهم الجغرافي. ويطالبون بـ:

– إعادة فتح المراكز الخارجية فورًا بعد توجيه رئيس الوزراء.

– اعتماد التعليم الهجين بالتوازي مع التهيئة التدريجية للحرم الجامعي.

– إلغاء أي قرار يمنع الطلاب من الامتحان أو التسجيل بسبب عدم قدرتهم على الحضور داخل الخرطوم.

– حماية حقوق الأساتذة الخارجين من السودان وضمان استمرار عقودهم ورواتبهم.

– نشر خطة واضحة ومعلنة من إدارة الجامعة بشأن مستقبل الطلاب والأساتذة خارج السودان.

*رسالة صريحة إلى إدارة جامعة الخرطوم*
إدارة جامعة الخرطوم مطالبة اليوم بأن تثبت أنها ليست إدارة لمبانٍ ومجمعات فقط، بل إدارة لجامعة وطنية تمثل طلابًا وأساتذة داخل السودان وخارجه. فالجامعة التي تفرض الحضور داخل الخرطوم رغم توجيه رئيس الوزراء باستمرار المراكز الخارجية، لا تحمي الجودة الأكاديمية، بل تضعفها وتقسم الطلاب وتضيع مستقبل آلاف منهم.

*رسالة إلى الجامعات الأخرى*
والرسالة نفسها تنطبق على الجامعات الأخرى التي جزّأت طلابها وأساتذتها بين الداخل والخارج، ولم تتحرك بجدية بعد توجيه رئيس الوزراء. فالجامعات ليست أبنية تُدار من مكاتب، بل مجتمعات أكاديمية يجب أن تُدار بعقلانية وإنسانية.

*الخلاصة*
الطلاب الذين سيعمرون ما دمرته الحرب لا يحتاجون إلى وعود عامة، بل إلى قرارات تنفيذية فورية تضمن استمرار تعليمهم وسلامتهم. وإدارة جامعة الخرطوم، والجامعات الأخرى، مطالبة اليوم بأن تحترم توجيه رئيس الوزراء، وأن تتوقف عن تقسيم الجامعة، وأن تضع مصلحة الطلاب والأساتذة فوق أي اعتبارات إدارية أو سياسية.

محمد مراد بدر منير
السبت ٦ نوفمبر ٢٠٢٦م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى