اعمدة

عبدالباقي جبارة .. يكتب .. “فزع الحروف” .. أقبضوا على وزارة التعليم العالي!

حجم الكارثة التي كشفت عنها استقالة مدير الشؤون العلمية بجامعة الخرطوم، بروفيسور علي عبدالرحمن رباح، ما هي إلا رأس جبل الجليد من الفساد في مؤسسات السلطة القائمة. لكن هول الصدمة كان كبيرًا، لأن من كشف الفساد لا يُشك في ما أدلى به إلا من في نفسه غرض ، إدارة الشؤون العلمية.

 

 

 

حجم الكارثة التي كشفت عنها استقالة مدير الشؤون العلمية بجامعة الخرطوم، بروفيسور علي عبدالرحمن رباح، ما هي إلا رأس جبل الجليد من الفساد في مؤسسات السلطة القائمة. لكن هول الصدمة كان كبيرًا، لأن من كشف الفساد لا يُشك في ما أدلى به إلا من في نفسه غرض ، إدارة الشؤون العلمية.
تُعتبر إدارة الشؤون العلمية القلب النابض لأي جامعة، فهي التي تلتقي فيها كل العملية الأكاديمية داخل هذه المؤسسة. وإن مسألة التزوير والتلاعب في الشهادات الأكاديمية ليست بالأمر الجديد، وقد سبق أن تم الكشف عن عدد كبير من شهادات المسؤولين الذين وصلوا إلى المناصب عبر شهادات مزورة، ولكن لأن جامعة الخرطوم تُعد من ثوابت الأمة السودانية، حتى لدى الذين لم يدرسوا فيها، فقد كان وقع الأمر أشد.
كما أن هذه الجامعة قاومت بشراسة غطرسة حكومة الإنقاذ، الذين عندما عجزوا عن تطويعها فكروا في بيع مبانيها، وعندما عجزوا عن ذلك حاولوا سحب البساط من تحتها بتقديم جامعات أخرى في التصنيف، وذلك عبر الإغلاق المستمر لها وتعطيل مسيرتها. ولذلك فإن تثبيت الجرائم التي كشف عنها بروفيسور علي رباح سيهدم المعبد على كثير من الرؤوس، ويكشف كثيرًا من الفساد، وسيكون ما ذكره المدير المستقيل ما هو إلا رأس جبل الجليد.
هناك قاعدة أمنية تستخدمها شرطة المباحث للكشف عن المجرم الحقيقي؛ فمثلًا إذا وقعت جريمة كبيرة ولم يتم الكشف عن فاعلها، تنشط المباحث وتضع بين ناظريها ملاحظات حول الأشخاص المريبين، خاصة إذا كان المجرم في دائرة موقع الجريمة أو من المقربين للضحية أو من داخل الأسرة. تجد هذا المجرم يسعى لتشتيت انتباه المباحث باختلاق مواضع شبهات بعيدة عن محيطه، ليُبعد الشبهات من حوله.
هذا بالضبط ما تفعله وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الآن في القضية التي تفجرت عقب استقالة مدير الشؤون العلمية بجامعة الخرطوم، بروفيسور علي رباح، الذي أكد أن ضغوطًا من طرف ثالث تمارس عليه لخرق نظام الشهادات بغرض التزوير.
وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أصدرت بيانًا مطولًا مدعومًا بخطاب من البروفيسور المذكور يعبر فيه عن تعاونه معهم ومدهم بـ(البيانات)، كما فند البيان ما أسماه ادعاءات البروفيسور علي رباح، بمعنى أنه كاذب وأراد تشويه سمعة هذه الجامعة العريقة. لكن وزارة التعليم العالي لم تثبت على هذا الحكم الذي أصدرته ضد البروفيسور علي، بل أصدرت قرارًا آخر بتشكيل لجنة للتحقيق في القضية التي فجرها مدير الشؤون العلمية، برئاسة بروفيسور عوض حاج علي.
والقرار نفسه يتضمن حكمًا مسبقًا، لأنه وصف القضية بالإدعاءات، وهي عبارة تحمل إشارة إلى بطلان هذه الادعاءات. إذن يصبح شبه المؤكد أن اللجنة ستتوصل إلى بطلان كل ما ذكره بروفيسور علي رباح.
لكن الحقيقة أن هذه “الجقلبة” من قبل وزارة التعليم العالي تستدعي القبض عليها هي نفسها، ووضعها في دائرة الاتهام في هذه القضية تحديدًا، خاصة وأن لهذه الوزارة سوابق لم تجد الاهتمام الكافي، مثل ملف التعليم الأهلي والفساد “المتلتل”، وكذلك ما ورد عن الوزير السابق المكلّف دهب، الذي لم تُشكل له لجنة ولم تفصل فيه جهة معنية بالفساد في الدولة.
لأن هذه الوزارة أصلًا ليست لديها حساسية ضد الفساد، ولذلك تتعامل ببرود مع أي قضية مهما كان حجمها، لأن مؤسسات هذه الحكومة أصبحت عبارة عن شبكة مصالح، ولن تجد أي قضية فساد طريقها إلى العدالة في الظرف الحالي.
ولكن تبقى تغذية ذاكرة الأمة وحفظ التاريخ، حتى يُيسّر الله لهذا الشعب حكومة تكون بقامة هذا الوطن. حينها ستوضع كل هذه الملفات أمام منضدة القضاء العادل. أما الآن، فيمارس أضعف الإيمان بكشف مثل هذه القضايا وتقديمها لمحكمة المجتمع وفضح المتلاعبين بمقدرات هذا الشعب.
أما بروفيسور علي رباح، فقد سجّل اسمه في القائمة الذهبية لشرفاء هذا الوطن، ويكفيه شرفًا ما شهدت به إدارة جامعة الخرطوم وإشادتها بموقفه. و”الفضل ما شهدت به الأعداء”، حيث ذكر بيان لما يسمى بأسرة جامعة الخرطوم أن فترة إدارة بروفيسور علي رباح شهدت استخراج ما لا يقل عن عشرة آلاف شهادة جامعية، ليس من بينها شهادة واحدة مزورة.
فهم بذلك أرادوا تجريمه، لكنهم برأوه دون أن يعلموا.
سعادة البروفيسور علي رباح، لعلي أول مرة أسمع باسمك، لكنني كسوداني فخور بك، ومنحتني الأمل بأن شعبنا ما زال بخير ما دام أمثالك فيهم بقية ويمشون بيننا.
أقول لك: نم قرير العين، ولا تزعجك أصوات (الأبواق ) مهما كثرت، ما دمت قابضًا على جمر الحقيقة، فسيذهبون إلى الجحيم جميعهم، وستظل أنت حيًا بموقفك هذا ضد الباطل وإن تطاول أمده.
ونكرر: أقبضوا على وزارة التعليم العالي، ستظهر رؤوس كل الأفاعي.
والله المستعان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى