الجميل الفاضل يكتب: البرهان بين الملموس واللا ملموس؟!
درج كبار الكهنة في السودان، علي إغراق أسماع أهله بمعسول كلام، لا يُسمن ولا يُغني من جوع.

درج كبار الكهنة في السودان، علي إغراق أسماع أهله بمعسول كلام، لا يُسمن ولا يُغني من جوع.
الجنرال برهان قال الأربعاء بقرية التكينة، أن النصر بات قريبا، وإن موعد هزيمة الخونة والقضاء علي التمرد ونهايته آتية، قاطعا بالقول: “نحن والتمرد لا يمكن أن نتعايش بعد اليوم بتاتاً”.
تقريبا هو ذات قول نائبه كباشي بأمبدة: “إن القوات المسلحة ماضية في حرب الكرامة حتي تطهير كل شبر، وأن النصر آت قريبا لا محالة”.
بل هو ذات اللحن المُموسق يجري بتناغمٍ هارمونيٍ عالٍ، علي لسان عراب النظام “علي كرتي”، قائلا: “تؤكد الحركة الإسلامية مُضيّها على ذات النهج، دعمًا وإسنادًا للمقاتلين والمرابطين، حتى تحرير كامل التراب السوداني، وتحقيق النصر الذي يثلج صدور المؤمنين، ويغيظ الأعداء.”
ألا ما أطول هذه الحبال التي تثلج وتغيظ في بلادنا، وما أكثر الحواة.
هؤلاء الذين زجوا بنا في أصعب اختبار للحواس، لا ندري أمامه أنصدق آذاننا، أم نكذب عيوننا.
رغم أنف من قالوا: “أن حبال الكذب دائما قصيرة”، إلا أن أحلام الكاذبين، وأحلام آبائهم الأولين، تبدو هنا أطول في الحقيقة من كل تلك الحبال.
الي درجة أننا لم نعد نفرق بين من يلعب، وبمن هو يلعب، أبعقولنا أم بغيرها؟ ومن الصادق من هؤلاء في كذبه؟ ومن الكاذب منهم حين يصدق؟.
فقد تكالبت علينا غيوم ملبدة، من كل حدب وصوب تقصف الآن أدمغتنا المرهقة، تتساقط عليها كأوراق الشجر.
لتدعنا نعيش فيما يشبه ظلمات في بحر لجي، يغشاه موج من فوقه موج، من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج الواحد منا يده في غمرة طوفان مثل هذا الكلام، لم يكد يراها.
فمن المحيط الي الخليج، ومن الفرات الي النيل، بقي السودان آخر معقل علي الأرض للإخوان المسلمين، كما قال بذلك اللواء حاتم باشات وكيل جهاز المخابرات المصرية، وسفير القاهرة السابق بالخرطوم.
وللحقيقة فإن معركة التنظيم الدولي للإخوان المسلمين علي السودان أو فيه هي أم معارك هذا التنظيم الذي لا يعترف أصلا بقوانين سيادة الدول أو بحدود ينبغي احترامها.
ثم عطفا علي كل ماسبق اقول: صحيح أنه لا مكان لحلمين في مخدع واحد، وبالتالي فإننا لا نملك سوي ان ننتظر لنري أي الرجلين بات أقرب لحلمه ترامب أم البرهان.
ترامب الذي قال أمس الخميس فقط: “لقد اصبحنا قريبين جدا من أنهاء الحرب في السودان.. وستكون تاسع حرب ننهيها.
اننا نعمل الآن بجد لإنهاء هذه الحرب بالكامل.”
ومستشاره مسعد بولس الذي كشف ان البرهان ابدى تعاونا ملموسا احدث فرقا في مسار السلام في السودان خلال الفترة الماضية، مؤكدا أن هذا التعاون أسهم في تهيئة المناخ لإنجاح المؤتمر الإنساني الذي انعقد بواشنطن الثلاثاء الماضي.
مشيرا الي أن هذا التعاون القائم يعكس التزام السودان بالمسار الديمقراطي المدني الكامل، ويمهد لتحقيق تطلعات الشعب في الحرية والسلام والعدالة.
بولس ذاته أكد بثقة غريبة: لدينا وثيقة نعتقد أنها مقبولة لدى طرفي الصراع في السودان يفترض أن تؤدي إلى هدنة إنسانية.
مبينا إن هناك “قبولا مبدئيا” من طرفي الصراع في السودان للآلية الأممية.
مشيرا إلى وجود “ترتيبات لانسحابات عسكرية من بعض المدن السودانية لأغراض إنسانية”.
هذه التصريحات لكلا الجانبين الأمريكي والبورتسوداني، والتي تحمل إشارات متناقضة بالطبع، تعبر عن فجوة كبيرة.
رغم أنها تصريحات صدرت في غضون 72 ساعة فقط من الثلاثاء الي أمس الخميس.
بما يحدونا أن نقول لترامب وللبرهان أيضا، قول سيدنا سليمان للهدهد: مَهلاً “سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ”.






