اعمدة

عاصم البلال الطيب .. يكتب .. “أجراس فجاج الأرض”.. أمى بين شهداء رفاس .. ديم القراى وطيبة الخواض..ديل أهلى !

ديم القراى أهلى وعزوتى وكسوة قربتى وعزائى فى غربتى ، حبى لأهلى السودانيين مستقى من محبتى لأرحامى بقريتى الرافدة الوطن

 

 

 

ديم القراى أهلى وعزوتى وكسوة قربتى وعزائى فى غربتى ، حبى لأهلى السودانيين مستقى من محبتى لأرحامى بقريتى الرافدة الوطن كما النيل بالتسبيح بقدرته وتدفق نعمه وآلائه وبالصمت الجميل والصبر الجهير ، بلد الترابلة والعلماء والظرفاء ، عدد يا عباس البقلى وترحم ، ورفاس الموت ألقى فى غيابت اليم الأم والولد والبنت والطفل والصبى وأشداء واقوياء حلتنا ، ولازال ينتظر ما دامت بنا الحياة ، ففى الشاطئ الثالث أسرار ومواسم إرتحال عبدالمنعم ترير ، عدد يا بقلى وأشجينى من ظرف مجالس الأنس ومحن ود العمدة وود قليمة والمتواتر عن قباض الكبير ، ديم جدنا القراى زخور يا ود الفقيّر سلمان وود الناظر طارق ويانمر الأرباب وود الطيب باسعيد وودبلال والخال عبدالسلام ، أعدد يا بقلى لأنسى أسماء وأسماء ما أبذخ ، فلن أفعل وكيف لا أفعل وقد لا أجئ على ذكر ود العمدة القراى وود قليمة الزين وود كرم الله العوض ، وسير العمدة النعيم والزعيم ود شعبوط وابوى البلال والخال ود القراى عبداللطيف ، ويا لعيبى وقد بدأت أعد يا بقلى ابن خالتى ست الجيل ولن أدرك لجمال القائمة طولا ، الديم يا بقلى قصة مكتوبة بحرف من دواية ود كريم الدين ، توأم طيبة خواض البحر بالفروة ، والسم النقوع للضارة والعقوق ، وقارئ القرآن وحافظه وكاتبه بخط يده ، فى أربعة عشر عاما ، كل آية بوضوء وركعتين ، الديم وطيبة منذ حفر البحر ، تتراميان هناك بمحاذاة الضفتين تقاومان تقلبات الطبيعة والنيل وصروف الحياة ، ديم القراى من الجهة الشرقية الصحراوية بحلتيها الفوق والتحت وقداميتها قوم أفاضل ، والحرتياب تحت الجبل حرز وحصن ، إعلانهم لمضيفتهم بأرقام هواتفهم لن يصبح قصة ، سلالة بعضها من بعض ، إعلان منصوب فى عرض الشارع القومى باسم ديم القراى ان بلغته مسافرا وابن سبيل متعثرا فقف تمهل ، فأهلى يهبون فى الهزعة إلى المقبرة القريبة من الشارع مهما تكون ساعة الفزعة ، لإيواء عزيز فى مثواه الأخير ، قطعا تجدهم ، اما طيبة الخواض من الناحية الغربية ، بقعتنا المقدسة بالذكر والقرآن وبروش مبسوطة للإطعام والصلاة والفلاح ، توأم فى عمق دولة ٥٦ المظلومة والمفترى عليها ، ومدنها وقراها المعنية تفتقر لكل شئ والتهميش فيها يمشى على قدمين ، وأهلها يموتون فى عرض البحر شهداء لتقوية صلة الرحم قوام الدولة اى دولة ، ولمطلقى التسمية أجندات كلها لزوال ، القريتان منقوصتان من جل مقومات الحياة المستحقة كسائر حال البلاد والعباد ، إلا من إنسان لا يهاب خوض البحر ولا امتطاء مركب أو رفاس أودى غرقا بحياة الآلاف ، ذلك لأن غاية الخوض نبيلة*

*الإيمان حالة*

*أفزعنى حادث غرق المركب ومرة الرفاس بين قريتينا طيبة الخواض وديم القراى مقيما الإيمان بالموت حالة ، واوجعنى وحملنى لحال هشيش ، فالشهداء قوامهم أسر ، بعدهم لن تنسد أبواب وتنهد جدران والوصل ناره تتقد ووقوده عصى على الرماد ، والخبر المفزع يبلغنى ولست بناقص للأحزان المتزايدة بالحرب ، احساس يتسورنى بالفقد عظيم واليتم ، فالشهداء قبل معرفة الأسماء كلهم أهلى ، إحساس يرجعنى لحنينى المفقود ، أمى مريم بنت القراى رحلت منذ سنوات ووجهها السمح المشلوخ يا المبروك لازال يتلبسنى يطاردنى ، أبحث عنه بين وجوههن ، ففى احداهن تجتمع الحسان وكل الخصال والجمال ، يا لأمى ونبل امتطائها مئات المرات ذات مركب النيل الغريق ، والليل بهيم والنهار وضئ ، والدنيا شتاء مزمهر وصيف مسموم وسيفا من الحرور مسلول ، لأمى كيس مركوز معد للترحال بقطعة غيار وسترة ، حالما جاءها الخبر شين حملته ويممت شطرها صوب ذات النيل للحاق بالأحباب والأقران ، للعبور لهناك لطيبة الخواض تعزيزا للوصل المدود وترسيخا لذات أحاسيس شهداء الرفاس النبلاء ، غير الهيابين والغاية للعزاء فى الشين والعزة فى السمح والعديل والزين ، لا أنسى امسى وأمى تصطحبنى ذات صباح باكر ، لطيبة الخواض مراقد جدودى الصلاح والسراى ، لم تعبر بى بذات المركب الغريق ، أخذتنى لطيبة الخواض عن طريق شندى لنعدى لهناك بالبنطون من جهة شندى لنبدأ رحلة برية عكسية مرهقة ، يهون عليها الرهق خشية على صغيرها من مصير يتجدد بين القريتين فى عمق النيل لاتخشاه تمتينا لعرى التواصل ، حتى البناطين لم تنج من الغرق بالعشرات من أهلينا فى ذات النيل العجيب سليل الفراديس والتيجانى بشير وعثمان حسين والتيجانى حاج موسى ، نيلك هيلك جرى قدامك ، الرحلة من ديم القراى لطيبة الخواض عبر شندى طويلة وثقيلة غير أنها آمنة بعض الشئ ببنطون شندى وغيره من بناطين لا تتعدى الإثنين على مدار وجود دولة ٥٦ القومية التى لم يظلم عمدا فيها أحد . وشد الرحال من أحد القريتين المتجاورتين عبر نفاج النيل الفاصل بينهما مباشرة ، يستغرق بالمركب المجداف وقتا وجيزا يفى بلهفة أمى وأهلى للوصول سريعا لعز السمح وللعزاء فى شين الحبان و الأهل الحنان ، التأخير عندهم والرحلة للبر مذموم والقدر يؤمنون انه واقع ، شهداء الرفاس لكل منهم ملك موكل بقبض الروح ، ولو تفرقوا لانتقل اى منهم فى ذات الساعة بالمعد سلفا فى كنانة أقدار الله ، يتسابقون على المركب خفافا ، نساء وأطفال وشيبا وشبابا ، لايترددون من شدة الشوق والظفر بالوصل سريعا ، يرتمون عند بلوغ الوجهة فى بعضهما بعضا ارتماء النيل فى الشاطئ الثالث ، شاطئ الموت الخصيب . لايخشون الغرق مصيرا طال قبليهم من لحمهم ودمهم الآلاف على مر العصور فداء لعز الأهل وتعظيما لصلة الرحم ، لا أنسى استبداد القلق وامى تحمل ذاك الكيس ، ولا هرولتها للحاق بمركب العز والشرف سيرا على درب سلف معزاز المحبة للاهل والولد وصلة الرحم ، فارابط حتى تعود ، لا كول بوكس وعثمان سمساعة ارتحل ، والجوال ولا فى أحلام من يعانق بالخيال الثريا ، فالرحلة تلك مبلاعة لنفر عزيز من لحمنا ودمنا ، فكم وكم من مركب غرقت كما الرفاس بالأمس الكئيب وعلى متنها كل مواسم الحزن والإرتحال ورفيق الحرف وزمرة من أهلى الحسان ، ولا أنسى حرص أمى عند صحبتها لنا لطيبة الخواض لزيارة الاجداد ولقص الشعر تبركا فى هيئة قنبور ، مشقة السفر أيامنا تلك عبر شندى ومن ثم بالبنطون لطيبة الخواض المبروكة .
يا الله والحرب تبعثرنا ، خبر المركب الغريق يبلغنى فى مغتربى القسرى ، ومتاهة تتزايد بلا بوصلة ، احساس تغمرنى بوجود أمى بين ركاب رفاس الموت طائر فينيق الموت بين القريتين ، و من رحلوا من طينة وعجينة ذات أنسالها وخمارتها غير المنقطعة*

*الحزن الطروب*

*والحزن أحيانا من الإحساس بالنبل يطرب ، احد نعاة شهداء الرفاس الغريق بأهلى ، فقد ثلاثة من أسرته وكلماته الناعية غصبا أسيرة لصاحب مواسم الإرتحال وسيرة سعادة أحد خدام الشرطة الأوفياء والمجتمع الكبير السودان ومسقط الرأس نهر النيل ، عبدالمنعم ترير ابوالمعصوم ، لم يكن ضابطا محضا بل مزيجا من الألوان ، شرطة المباحث وبحرى مدينته وعديد من مواقع عمله ، تشهد بتميز شرطيته خاصة بحرى مدينته التى يحبها كما قريته ومقر وضوعه ونشأته ديم القراى ، أدرك الحرب متقاعدا فاستبق كأول المستنفرين باذلا خبرته فى التدريب بمعسكرات القرى والحلال للدفاع عن الأرض والعرض ، فعل سيرا على نهجه فى سوح العمل الطوعى خدمة للناس ، وابوالمعصوم هلالى غيور وكاتب معطون بالابداع ومعنى بتطور الرياضة ، فرادته فى سلاسة مفرداته وسلامة لغته وشاعريته الدفيئة ، حفى بالآخرين ومن حفاوته نلنا كأسرة لايخفى اعجابا بها ، هو ابوالمعصوم غير ضنين ، لم يستشهد فى الرفاس الغريق وحده ، ولو لرفاقه الماضين من أخيارنا ، عودة للحياة لمرة واحدة ، لنادوا بتأمير ابوالمعصوم على رحلتهم الأضافة الكبيرة فى قاموس رصيد قيم ومعانى رسخها الأسلاف العجاب ، كل الشهداء لدينا ترير مرتقين للدرجات العلا حاصدين الأجر والثواب والصغار بينهم أشفاع ، والقدر لا يفرق بين عملاق البحر تايتنك قصة البحر والقدر ، ولا رفاس نهرنا بين ديم القراى وطيبة الخواض ، البينية المسقية بحب أهلنا الأخيار من عمروا هذه الفجاج بالشجاعة والمروءة والشهامة ، بتحمل مشقة الكد وصعاب اللهث ، وقطع البحر عوما جيئة وذهابا فى عز الدميرة وهم أبناء الجزيرة الزراعية العجيبة المتوارثة أخلاقها زوادة للأجيال وخير اهل البلاد ليعز بعضهم بعضا ، منطقة الجزيرة قد لا تكون مناسبة لقيام كبرى خصما على الأراضى الزراعية التى يعيش عليها السكان ، ليس من اختصاصى فى شئ لأفتئ فنيا فتوى تمتد لحمولة المراكب والرافاسات ، وكم منها ابتلعه النيل وعلى متنه بضع افراد . المراجعة ضرورة شرعية مع الأيمان بقدرية الموت والحتمية ، تقبل الله شهداء الرفاس أهلى الكرام وأفرغ فى صدورنا ذوييهم سكينة وطمآنينة وصبرا جميلا*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى