اعمدة

عبدالباقي جبارة .. يكتب .. «فزع الحروف» المنصوري وساتي: «حَلْابُ التيس»!

في أواخر عهد الإنقاذ، وتحديدًا في العام 2014م، أطلق عمر البشير ما سُمّي بحوار «الوثبة»، وقال إنه يريد عبره إيجاد مخرج آمن للسودان، تلتقي فيه كل القوى السياسية إلا من أبى.

 

 

 

في أواخر عهد الإنقاذ، وتحديدًا في العام 2014م، أطلق عمر البشير ما سُمّي بحوار «الوثبة»، وقال إنه يريد عبره إيجاد مخرج آمن للسودان، تلتقي فيه كل القوى السياسية إلا من أبى.
وبدأت هذه الوثبة قوية بمشاركة جهابذة قادة الأحزاب، بما فيهم الترابي والصادق المهدي، عليهما الرحمة. ولكن بعد ثلاثة أعوام من الاجتماعات وانفضاضها، وبما أن لهذه الوثبة «أبواقًا» كما لهذه الحرب التي ترتضي بالدنيئة، انتهى هذا الحوار بتقسيم مناصب السلطة بين أحزاب ارتضت أن تكون «تمومة جرتق»، وقُسّمت الوزارات حسب أوزان الأحزاب، فكانت وزارة الثروة الحيوانية من نصيب صديقنا بشارة جمعة أرور، ووزارة البيئة لعبود جابر، وهؤلاء حتى الآن غير معروف لهم أحزاب لها وجود على الأرض. فقط كانت مكافأة لهم لأنهم أكثر من بشر بحوار الوثبة .
الشاهد في الأمر أن نظام الحكم يرى وزارتي البيئة والثروة الحيوانية مجرد كراسي للترضيات وليستا ذات أهمية، لكن الخبراء والمختصين يدركون أن هاتين الوزارتين من أكثر المؤسسات التي يمكن أن تسهم في الاستقرار المجتمعي والدخل القومي. غير أن جهل الساسة والذين يعتلون سدة السلطة في البلاد رسّخ هذا المفهوم لدى معظم الشعب، حتى أصبحوا يسخرون من الذين يرميهم قدرهم في هذه الوزارات.
وبما أنني أنحدر من ولاية شمال كردفان الغنية بالثروة الحيوانية والزراعية، وبأهم سلعة عالميًا وهي الصمغ العربي، لكنها تعاني فقرًا مدقعًا، فإن من أسباب ذلك إهمال الوزارات المرتبطة بأنشطة تلك الرقعة الجغرافية، مثل وزارتي الثروة الحيوانية والبيئة. ولندرة الحلول لمشاكلهم، حتى أمثالهم الشعبية ارتبطت بالعدم وانسداد الأفق، ومنها:
«أقول ليهو تيس يقول أحلبوه».
والتيس هو ذكر الماعز، وترجع هذه القصة – كما يُقال – إلى أن أحد المواطنين من الولاية الشمالية زار شمال كردفان، ومعروف أن الثروة الحيوانية في الولاية الشمالية شحيحة، وثقافة السكان تعتمد على التمر وقليل من الزراعة، لكن نسبة التعليم والاغتراب كبيرة. ويُقال إن هذا الرجل الشمالي، من إثنية معروفة، عاش مع الرعاة ورأى كيف يتم التعامل مع الأغنام وغيرها، وذات يوم أشار لأحدهم بحلب الماعز، فحلبها كلها إلا واحدة، فقال له: احلب هذه، فقال الراعي: هذا «تيس»، فقال له: «برضو احلبو».
فهذه هي علاقة زميلنا الطاهر ساتي مع الثروة الحيوانية.
بالأمس لفت نظري عمود صحفي للأستاذ الطاهر ساتي يهاجم فيه وزير الثروة الحيوانية أحمد التجاني، وفحوى العمود أن وزير الثروة الحيوانية يسير بلا هدى أو كتاب منير، وأورد مثالًا بأن الوزير يريد إنشاء مدينة الإنتاج الحيواني في ولاية نهر النيل، ورسالة ساتي أن المكان غير مناسب، حيث إن كثافة الثروة الحيوانية معروفة في كردفان الكبرى وإقليم دارفور.
الشاهد في الأمر أنني تفاعلت مع طرح الطاهر بصورة كبيرة، ورأيت فيه منطقًا، بل شعرت بأن الأستاذ الطاهر استشعر الحس القومي في توجيه الجهود دون ميول لولاية على حساب أخرى، وبالتالي حديثه فيه إنصاف لأهلنا في شمال كردفان، وعصمة لإهدار الإمكانيات بوضعها في غير محلها.
لكن مباشرة استمعت إلى تسجيل الوزير البروفيسور أحمد التجاني المنصوري، الذي رد فيه على الأستاذ الطاهر، فكان ردًا أخجل تواضع كل من كان ينظر لهذه الوزارة نظرة سلبية. غير أنني تمنيت لو تحمّل الوزير هذا الهجوم وظل يعمل صامتا بالذات في هذا الظرف الحساس من تاريخنا ، وإن كان في حديث الطاهر أذى، ، لأن ما أورده المنصوري من حقائق ومعلومات وخطط هو عين ما تحاربنا من أجله الدول.
وقبل أن ينتهي التسجيل، بدأت أفكر: كيف تتم حماية هذه العقلية الجبّارة، المتمثلة في الوزير المنصوري؟ وبما أن لدي رأيًا سالبًا للغاية في حكومة كامل إدريس، وأخذت عنها انطباعًا سيئًا، وتنبأت بفشلها منذ الوهلة الأولى عندما أدلى بخطابه الأول وارتدى فيه لامة الحرب وركب موجة «بل بس» وأنها حرب ” وجودية ” ، أدركت أنه لن يضيف جديدًا. والآن، في حكومة بورتسودان، الناس تبحث عن الأقل فسادًا إلا ما رحم ربي .
لكن باستماعي لحديث المنصوري شعرت بأنه هو الحكمة في فم تلك الحكومة المجنونة، والدليل على ذلك أن الرجل ظل في التسجيل يتحدث لحوالي نصف ساعة، يقرأ من كتاب مهامه وما أوكل له بحق وحقيقة، وأكد أنه يدرك قيمة هذه الوزارة، التي يمكن أن تتحقق عبرها التنمية المتوازنة، ودعم الدخل القومي، بل وسد أبواب الحروب التي قد تنشأ بسبب الصراع على الموارد. وهذه هي الجزئية الوحيدة التي ذكر فيها الحرب، وذلك ليس لأنه غير وطني أو لا تهمه وقائع هذه الحرب الطاحنة، بل لأنه رجل يرى أن الإسهام الوطني الحقيقي هو أن يضطلع كلٌّ بدوره، وبذلك يتحقق الانتصار الحقيقي للوطن والشعب.
وعلى كل حال، فإن من يستمع لتسجيل المنصوري يدرك أنه ليس ردًا معنيًا به الطاهر ساتي بقدر ما هو رسالة حول كيف نُبعد هذا الجهد عن الصراعات السياسية، وكيف نرتقي برقابتنا الإعلامية إلى مستوى هذه الأفكار الخلّاقة التي يرسّخ أدبها البروفيسور المنصوري، بدل الإصرار على «حَلْبِ التيس» كما فعل الطاهر ساتي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى