محمد محمد نور .. يكتب .. “حابل ونابل” ..جدلية الرصاصة الأولى .. ( قراءة موضوعية )
إذا كانت الرصاصة الأولى هي التي أوقدت فتيل الحرب فإن الطلقة الثانية جعلت اشتعال هذه الفتيل أكثر ضراوة وجنونا

إذا كانت الرصاصة الأولى هي التي أوقدت فتيل الحرب فإن الطلقة الثانية جعلت اشتعال هذه الفتيل أكثر ضراوة وجنونا .. وبحساب نعمة العقل واستخدام آلة المنطق : إذا أفترضنا جدلا أن صاحب الرصاصة الأولى يتحمل المسؤولية الأكبر في حرب السودان فهل ينفي ذلك المسؤولية تماما عن الذي رد على تلك الطلقة الأولى قبل أن يستبين من أي جهة أطلقت ومن الذي أمر بإطلاقها ، هذا إذا افترضنا أن هذه الحرب لها طرفان فقط لاغير .. وأرجو أن لا يتحسس الإخوة من مساندي الحكومة في بورتسودان من عبارة (طرفي الحرب ) لأنها مجرد طريقة توصيف لغوي أو تعريف منهجي لحالة تجري على الأرض وليس من العقل في شيء أن نجعل صاحب هذه العبارة مصطفا إلى جانب العدو مع وصفه بالخيانة ، فمنذ أن عرف البشر الحرب عادة تنشب بين طرفين أو أكثر ولكنها تصبح ملهاة من نوع فريد إن كان ذات طرف واحد ( إلا إذا كان زول بشاكل في روحو) وهذا جانب من الحالة (الغرائبية ) للحرب الحالية نتحدث عنه في وقت ما.
.. و حتى لا نكون منحازون لغرض أو متحيزون لفئة نقول بالعقل إن أية حرب بالضرورة تخضع لثلاثة عناصر هي : الزمن، وساحة المعركة، والدافع .. متى بدأت وأين اندلعت، وما أسبابها ، فإذا تم تحديد هذه العناصر بدقة فإن معرفة هوية صاحب الطلقة الأولى ستكون في غاية البساطة .
.. يتفق أغلب المهتمين بجدلية من اطلق الرصاصة الأولى من عسكريين ومدنيين ( وأنا واحد من هؤلاء المدنيين بحكم سكني جنوب المدينة الرياضية مباشرة) أن الحرب الدائرة اليوم في السودان بدأت شرارتها الأولى عند الساعة الثامنة و٤٥ دقيقة من صباح يوم السبت الموافق ١٥ أبريل ٢٠٢٣م .. طبعا تختلف الروايات في (كسور) الدقائق لكنها تجمع على الساعة التاسعة .. هذا يعني أن الرصاصة الأولى غادرت فوهة بندقيتها في هذا التوقيت بالضبط .
.. أيضا ، يؤكد كل من كان قريبا لمصدر الرصاصة الأولى أن الموقع الذي أنطلقت منه كان بالقرب من المدينة الرياضية التي تقع جنوب الخرطوم وكانت مقرا لقوات الدعم السريع .. أذا لاخلاف على سؤال متى وكذا الحال مع سؤال أين وحتى طرفا الحرب – معذرة – لا يختلفان في سرديتهما مع روايتي متى وأين .. يتبقى فقط الإجابة عن سؤال الذي يبدأ بالأداة ( لماذا) أو دافع من أطلق تلك الرصاصة الأولى، وهو السؤال الأهم والإجابة عنه هي التي تكشف الطرف المسؤول عن إشعال هذه الحرب و يسعى في استمرارها وانا هنا لا اقصد طرف محدد بقدر ما أسعى إلى وضع احداثيات موضوعية لدوافع هذه الحرب وكما هو معروف كلما كانت المعطيات صحيحة جاءت النتائج أكثر احتراما للعقل والمنطق.
.. روايات غير قليلة مبذولة في الصحف والأسافير تقول إن عدد من كبار قادة الجيش ومن بينهم المفتش العام وقعوا في قبضة الدعم السريع في صباح ذاك اليوم قبل وصولهم إلى مكاتبهم وهذا ينفي علمهم بوجود قرار حرب من قبل القيادة العليا للجيش أو الحكومة القائمة وقتذاك وهذا هو حائط الدفاع الأول لدى مساندو الجيش لصد تهمة اطلاق الرصاصة الأولى، وفي المقابل يرد المدافعون عن موقف الدعم السريع أن قواتهم المتحصنة في المدينة الرياضية تمت مهاجمتها من قوة (مجهولة حينها) فما كان منها الإ الرد على ذاك الهجوم ثم حدث ما حدث!!
.. اغلب الروايات تقول أن الهجوم على قيادة الجيش حدث بعد الساعة التاسعة أي بعد الهجوم على المدينة الرياضية وهو يقع – حسب هذه الرواية- في موضع رد الفعل ولكن تصريحات قائد الدعم السريع على الحدث في اليوم نفس يشير إلى أنه (فعل) لأنه استهدف القبض على قائد الجيش ومحاكمته.
… الدعم السريع كان جزء اصيلا من السلطة لو أراد الاستيلاء عليها كاملة لماذا يبدأ انقلابه من المدينة الرياضية التي لا تبعد سوى بضع كيلومترات من قيادة الجيش و عناصره موجودة حول وداخل هذه القيادة وكان الأجدي و الأفضل لنجاح انقلابه هذا أن تكون القيادة هي ساحة الرصاصة الأولى وليس المدينة الرياضية !
.. من السرديات السابقة يتضح أن الطرفين وقعا تحت صدمة المفاجأة ( حسب أقوالهما) وأن ما حدث لم يكن مخطط له ! إذا من الذي تلاعب بإعدادات المشهد في ذاك الصباح وأربك الصورة حتى تاهت حقيقة الرصاصة الأولى؟!
.. يمكن لمنتسبو القوى الرافضة للحرب أن تتهم عناصر المؤتمر الوطني والحركة الاسلامية بأنها الطرف الثالث الذي أطلق أو اوعز بإطلاق الرصاصة الأولى حتى يستعيدوا سلطتهم المنزوعة ،وبالمثل لن يتردد أنصار المؤتمر الوطني (المحلول) و النظام السابق في توجيه الاتهام ذاته لقوى الحرية والتغيير بجميع اطيافها السابقة والحالية أنها السبب في نشوب هذه الحرب حتى تعود إلى السلطة تحت بندقية الدعم السريع (حسب ما يقولون)
.. بناء على ما سبق وغيرها من حيثيات وبعيدا عن فرضية تشوين الاتهامات الموضوعية أو الجزافية لأطراف سياسية معينة فإن لغز الرصاصة الأولى في حرب السودان ستظل محل التباس وموضع حيرة مالم نمتلك أدلة دامغة على دوافع تلك الجهات حتى نصيغ قضية متكاملة الأركان وقوية البنيان.








