عبدالباقي جبارة .. يكتب .. ” فزع الحروف ” .. احذروا مشروع ” المهرج الأكبر ” !

في الآونة الأخيرة كثر الحديث عن تقسيم السودان بدرجة كبيرة ، وتكرر لدرجة حتى أصبح لا يثير اهتمام الكثيرين ، ولكن يبدو بأن كل ما أثير من غبار كثيف لا يعدو أن يكون سوى تهيئة نفسية للمجتمعات السودانية ، بأن تتقبل الواقع القادم مهما كانت قسوته ، وهنالك من يعتبر إثارة الموضوع مجرد تهويل ومجرد رافعة لدعاة وقف الحرب عبر دغدغة عواطف جنرالات الحرب .
وحتى حديث عبدالرحمن عمسيب فقط يعبر عن غبن اجتماعي وتنفيس لحالة احتقان مجتمعي نتيجة انقسام صنعه الرغائبيون وسط الشعب السوداني ، وكذلك حديث حياة عبدالملك كل ذلك تهريج مستفز صحيح ، لكن ما فيه اي نوع من الخطوات العملية أو أسباب مقنعة لتقسيم السودان ، وأن الواقع يكذب ادعاءات عمسيب لأن رقعة دولة البحر والنهر المدعاة ليس فيها صفاء عرقي عروبي ولا اكثر إسلاما من أهل دارفور ، بل الأهم من ذلك حتى الانفصال لو حدث لم يحقق أهداف عمسيب وأنصاره المعلنة بأن تكون في الشمال دولة ( سام ) ، لكن الأهداف المبطنة والحقيقية وراء التقسيم وقد يعلمها أو لا يعلمها المهرجين ( حياة / عمسيب ) هي مشروع الشرق الأوسط الجديد ، الذي ليس من أولوياته مصلحة شعوب المنطقة أو اصلا يفكر في مستقبلهم أو واقعهم ، بل فقط عليهم التعايش ما يكون عليه الواقع ، إن لم يكنوا خدام هذا المشروع مثل المظاهرات التي اندلعت في قطاع غزة ترفض أن تكون حركة المقاومة ( حماس ) جزء من المشهد الغزاوي ، بالتأكيد هذا المطلب لا يخدم الا أصحاب مشروع الشرق الأوسط الجديد ، وهذا المثال ليس ببعيد عن السودان مثلا عندما تقف الحرب إذا لم يتم فصل دارفور سنرى عمسيب و حياة عبدالملك يقودون مظاهرات تطالب بطرد أهل دارفور من الشمال والوسط إذا لم يفلح قانون الوجوه الغريبة في تحقيق رغباتهم الآن .
اما ما يتعلق بعنوان هذا المقال المهرج الأكبر هو السيد مني اركو مناوي ودائما ينظر لحديثه باعتباره مهرج وكأن ما يقوله وليد اللحظة أو خبط عشواء لكن هذا الرجل المهرج وبهذا ” العبط ” الظاهر عليه حقق انجازات كبيرة على الأقل الظاهر أمامنا ، مثلا استطاع أن يقزم أكبر حركة مسلحة في دارفور رغم أن قيادتها تنتمي لأكبر اثنية هم ( الفور ) عندما استطاع مجذوب الخليفة استقطابه عبر مفاوضات أبوجا بنيجيريا لصالح مشروع ” الإنقاذ ” ومن حينها حركة تحرير السودان بقيادة عبدالواحد محمد نور لم تقم لها قائمة، وأصبحت محصورة في جبل مرة ولا تستطيع تسيطر على ( نيرتتي ) التي تقع في ظل الجبل . ثم في الوقت القريب مناوي أحد أبرز الذين اسهموا في وأد حكومة ثورة ١٩ ديسمبر إن لم نقل الثورة كلها لأننا نعتبرها مارد يمرض ولا يموت ، لكن كل ذلك يعتبره أصحاب النظرة القاصرة بأن مناوي يقوم به من أجل نزوات ذاتية ومكاسب محدودة لا تتعدى المال والوظيفة الشخصية ، لكن لا وألف لا .. في تقديرنا المتواضع مناوي جزء من المخطط الكبير سواء بعلمه أو بلا علمه ، وهذا المخطط مناوي له شرف أول من رمى حجر في بركته الحقيقية الا وهي دولة دارفور الكبرى إن لم تكن دولة ( زغاوة ) الكبرى .
انا على المستوى الشخصي كنت حتى الأسبوع الماضي على يقين بأن انفصال دارفور صعب لأسباب عديدة أبرزها لأن أهل دارفور لا يقبلون بدولة ” حبيسة ” والدولة الحبيسة دائما هي التي لا تطل على منفذ بحري ، لكن السيد مناوي وجد الحل بوضع الخريطة الجديدة لإقليم دارفور خلفه وهو يخاطب الشعب السوداني وشعب دارفور على وجه الخصوص بمناسبة عيد الفطر المبارك ، هذه الخريطة هي الرقعة الجغرافية المحتملة للدولة الجديدة ، والقراءة المتأنية يظهر بأن دولة دارفور الحبيسة وجدت منفذا مثالي بخارطة مناوي الجديدة ، صحيح هذه الدولة لديها حدود مع عدد من الدول تشاد ، افريقيا الوسطى ، ليبيا رغم أنها تطل على البحر الأبيض المتوسط لكنها قد لا تخدم اغراض هذه الدولة الوليدة خاصة وأنها ضمن دول المنطقة غير المستقرة ، التي تحادد الدولة الجديدة ، لكن الخارطة الجديدة تجعل دولة دارفور شريكة في نهر النيل وهي تسيطر على الضفة الغربية منه وكذلك سنكون قريبة جدا من منفذ البحر الاحمر وحتما ستستفيد من هذا المنفذ البحري إما بحسن الجوار أو وضع اليد عبر شركاءها المحتملين من الدول التي لديها نفوذ في البحر الاحمر ، ولكن الأهم. من ذلك دولة دارفور ستكون لها حدود مع جمهورية مصر العربية المستقرة والنفاذة إلى العالم المستقر .
وهنالك ملاحظة عندما أثارت هذه الخريطة غضب الرأي العام في الشمالية ونعتت خطاب مناوي بنعوت ساخرة في الوسائط الإعلامية بما فيها بيان منسوب لوالي الشمالية لم يتم التحقق من صحته تراجع مناوي عن التصعيد ، الذي كان ينم عنه خطابه لكنه لم يتراجع عن الخريطة ولم يتطرق لها في خطاب التراجع .. ويبدو أنه ينتظر عمسيب بأن يدعم الخطوة لأن قبول أهل الشمال بهذه الخارطة سيكون ثمن مجزي مقابل تحقيق دولة البحر والنهر بالتأكيد عمسيب سيروج بأن مناوي أخذ مجرد صحراء لا طائل منها حتى يقنع ” القطيع ” بقبول هذه الخريطة .. حفظ الله السودان وشعبه .