عبدالباقي جبارة .. يكتب.. «فزع الحروف» .. الفريق الغالي “عليك الله ادشى ” نعتبرك شاهد ملك؟!
يُقال إن أحد المعلمين في مرحلة الأساس دخل فصلًا مكتظًا بالطلاب، وفي أثناء الحصة اشتم رائحة كريهة تنبعث من وسط الطلاب، فأشار إلى أحد الطلاب متهمًا إياه بأنه «تدشّى». فقال له الطالب: يا أستاذ، أنا

يُقال إن أحد المعلمين في مرحلة الأساس دخل فصلًا مكتظًا بالطلاب، وفي أثناء الحصة اشتم رائحة كريهة تنبعث من وسط الطلاب، فأشار إلى أحد الطلاب متهمًا إياه بأنه «تدشّى» أي ( التجشوء ). فقال له الطالب: يا أستاذ، أنا ما تدشّيت ! ودخل في مغالطة مع المعلم، وحتى يثبت له أنه بريء، قال له: والله يا أستاذ، لو أنا تدشّيت كان أجزتونا، أي عطلتوا الدراسة ودخلتوا في إجازة.
وللذين لا يفهمون معنى التجشوء بتعريفنا التقليدي، تنطق ” ادشى ” حسب مجتمعنا وليس تعريفًا علميا، يحدث التجشوء عندما يكون هناك شبع من الأكل لدرجة الإسراف، فتتكون غازات في تجاويف البطن تبحث عن مخرج، وبما أن الأكل الجديد لسه لم يدخل مرحلة الهضم، يخرج هذا الهواء من الفم، وتكون رائحته كريهة، وخاصة إذا كان الإنسان قد تناول أنواعًا مختلفة من الطعام ذات الروائح النفّاذة.
ويبدو أن الطالب المتهم متعود على أكل الفجل والبصل والكمونية وأم فتفت، ويشرب وراءها أم جنقر، ولذلك، إذا تدشّى فعلًا، يحتاجون إلى إجازة للمدرسة.
أما عند الحيوانات، فهنالك حركة شبيهة تظهر عند الإبل، تُسمى «الجَرّة» (بكسر الجيم)، وتحصل كالآتي: عندما تجد الإبل العلف، سواء أكان أعشابًا أم أنبازًا أم ذرة، وغير ذلك، تأكل كمية كبيرة؛ جزء منها يذهب إلى المعدة مباشرة ويتم هضمه، وجزء يختزنه الجمل أعلى المعدة، ويتم استرجاعه لمضغه من جديد في فترات لا يجد فيها الجمل أعلافًا يتناولها. فإذا اقتربت من فم الجمل أثناء مضغه للجَرّة، تشتم رائحة كريهة؛ لأنها بالتأكيد ليست مثل العلف «الفرش». وبالطبع، فإن رعاة الإبل يعرفون هذه الحركة جيدًا.
هذان النموذجان أعلاه يتجسدان في معسكر «البلابسة»، وتحديدًا الغرف الإعلامية التي استُخدمت لتبرير المؤامرة الكبيرة ضد وطننا وشعبنا، وتبييض وجه الحرب القبيح، وتبجيل وتعظيم قادة هذه الحرب، وتزيين أفعالهم مقابل «علف رديء». وعندما فشل الهدف الأساسي المتمثل في إنهاء الحرب لصالحهم، بإرساء نظام حكم مفصّل كما رسموا له، وبالتالي وضع هؤلاء «الأبواق» في مكانا عليا، أصبح كل إعلامي غيرهم خائنًا وعميلًا، وليس له حق في هذا الوطن.
لكن ما حصل هو: «لا نالوا بلح الشام ولا تمر المدينة»، بمعنى أنهم لم يحققوا مآرب سادتهم من الحرب. وكذلك، مع طول أمد الحرب، فقدت هذه الأبواق امتيازاتها، فأصبحت الإساءات التي كانوا يوجّهونها للخصوم السياسيين أدواتٍ تُستخدم ضد بعضهم البعض. وأصبح الصحفيون أعضاء هذه الغرف أدواتٍ لأجندة شخصية، بدلًا من أن يكونوا أدوات لفكرة، وإن كانت فكرة إجرامية، لكنها على الأقل أفضل من القضايا التي تعتبر «إعادة مضغ للجَرّة».
وما لفت نظري، وعطفًا على هذه المقدمة، أنني أصبحت الآن أشتم روائح كريهة من هذه الغرف، باستخدام قضايا فساد ضد شخصيات استنفدت أغراضها، أو أصبح وجودها يتعارض مع مصالح أناس كانوا يشاركونهم الأهداف ذاتها. لكن طول أمد الحرب واليأس من الحسم دفعا الكثيرين من هذا المعسكر إلى اللجوء لتأمين أنفسهم. وكذلك، فإن بعض الصحفيين يريدون أن يقدموا أنفسهم من جديد كصحفيين مهنيين، ويتبنّوا قضايا تعرية الفساد وكشف ملابساته، وخلق بطولات لعلها تغطي على عورات الأمس، حين كانت الأيدي ذاتها تمتد إلى الأشخاص المتهمين أنفسهم، لتغدق عليهم الأموال، وكان المشرفون على الغرف يوفرون السيارات والحراسات وكل ما تحتاجه هذه الغرف من احتياجات مادية ولوجستية.
وأعتقد أننا الآن نشتم رائحة كريهة، لعلها «تدشّي» من أبواق صغيرة، لكن لو «تدشّى» أحد الركائز الأساسية في هذا المعسكر، أي معسكر الحرب، حتمًا سيمنح جميع الشعب السوداني إجازة، حتى يزول كل هذا العفن الذي أفرزته هذه الحرب الكريهة.
ونموذجًا لهذه الرائحة الكريهة، طالعت أمس عمودًا صحفيًا لإحدى الصحفيات، تتصدره قضية تصفها بأخطر قضايا الفساد، أطرافها مواطن لديه 155 مليون دولار دخلت السودان بطائرة تتبع للأمم المتحدة في العام 2016م، وحينها كان مدير جهاز الأمن صلاح قوش، الذي احتجز الأموال، وحسب الرواية، «ملخ» اي أخذ منها 17 مليون دولار، منحها للحكومة لتشتري بها وقودًا، أما باقي المبلغ فتم تسليمه لرئاسة الجمهورية.
وبعد ذلك، أثبت الرجل سلامة أمواله، وكان يجب أن تُسلَّم إليه، ولكن تم تسويف قضيته، ثم مساومته لاحقًا بأن يتنازل عن 20%، ثم 40%، وأخيرًا 50%، ويسلّم باقي المبلغ، ولكنه رفض التنازل، وتسلم خطابًا يفيده بأن يتوجه إلى القضاء ضد حكومة السودان لاسترداد حقه إن كان له حق.
ولكنه يبدو أنه اتجه إلى صديق من أصحاب الأقلام المتخصصة في مثل هذه القضايا، حيث كان هذا العمود الصحفي للصحفية المعروفة يوجّه الاتهام مباشرة إلى الأمين العام السابق لمجلس السيادة، الفريق الغالي، باعتباره هو الذي رفض تسليم المواطن أمواله، وهو من حاول ابتزاز الرجل ليتنازل عن نصف أمواله. حقًا، إنها تهمة كبيرة للغاية، وهو الذي كان في موضع مسؤولية كبيرة، وهذا ما سنتطرق إليه لاحقًا.
لكن إذا ما نظرنا إلى تفاصيل هذه القضية، فمن الوهلة الأولى يفهم الجميع أن الهدف هو الفريق الغالي، وليس عدالة القضية ومجرد استرداد مواطن لأموال مستلبة منه؛ لأن العمود الصحفي لم يركز على صلب القضية، ويمكن أن نشير إلى ذلك في نقاط:
النقطة الأولى: مبلغ 155 مليون دولار يأتي به شخص، مثل جوالات الذرة! فإذا كانت الأموال سليمة، فالأولى أن يتعامل عبر النظام المصرفي الدولي أو المحلي. فلماذا يأتي بها بهذه الطريقة؟ بالتأكيد هناك شبهة، وحتى لو أتى بمستندات، فإن رجلًا يملك هذه الإمكانيات من المستحيل أن يعجز عن الحصول على مستندات. وبالتأكيد، أتى بهذه المستندات لاحقًا؛ لأنها لو كانت مصحوبة مع الأموال نفسها، لما كانت هناك حاجة إلى احتجازها.
النقطة الثانية: المسؤول الذي احتجز الأموال هو مدير الأمن صلاح قوش، فهو المتهم الأول إذا كانت المستندات سليمة منذ الوهلة الأولى. وكونه بعيدًا عن السلطة لا يعفيه من المساءلة، وحجة هذا الرجل أن أمواله كانت لدى صلاح قوش.
وإذا كانت الأموال فعلًا غير سليمة، فلا تُسلَّم إلى رئاسة الجمهورية، بل توضع أمانات لدى بنك السودان، وتُتخذ بشأنها الإجراءات القانونية، ويفصل فيها القضاء. وإذا تمت مصادرتها، فتكون لصالح حكومة السودان. أما الاستقطاع منها مبلغ 17 مليون دولار بوضع اليد، فهذا مؤشر إلى أن الأموال تم اقتسامها بين عصابة ترتدي لباس المسؤولين في الدولة. ولا يُعقل أن ينتظر الرجل الفريق الغالي من العام 2016م حتى العام 2020م، وهي في الحفظ والصون، في بلد المسؤول فيه يأكل «ناقة النبي».
أما استخدام هذه القضية لتصفية حسابات مع الفريق الغالي، وخاصة بعد إبعاده من المنصب، فهذه سذاجة؛ لأن ارتباط الفريق الغالي بالنظام الحاكم الآن يجعله بمثابة الصندوق الأسود، وهو «الكنترول» لكل ما يتعلق بالعمل العسكري والمدني، منذ تسلّمه موقع الأمانة العامة لمجلس السيادة وحتى الآن. وبعد أن تخلى عن منصبه، فإن تصريحًا واحدًا منه ينسف كل الحكومة القائمة الآن.
والله، لو الغالي «تدشّى»، الأرض ما تقبل تغطس بيكم!
يا سعادتك، عليك الله «ادشّى»، نعتبرك شاهد ملك!









