محمد مراد بدر منير .. يكتب .. الذاكرة الخاوية للشركات الكبرى: حين يتحول “الوفاء المزيف” في السودان إلى تنصل من حقوق العاملين !


في زمن الأزمات والحروب، تختبر القيم الحقيقية للمؤسسات والشركات. فبينما تتغنى كبرى الشركات الخاصة والعملاقة في السودان عبر منصاتها وشعاراتها بـ “الريادة”، و”الاحترافية”، وتعتبر موظفيها القدامى “الركيزة الأساسية” و”الأسرة الواحدة”، كشفت محنة الحرب عن وجه آخر قاتم؛ وجه تتوارى خلفه شعارات الوفاء، وتتبخر فيه حقوق العمال في مهب الريح.
*إجازات مفتوحة.. وتجويع ممنهج بلا رواتب أو علاوات*
مع اندلاع لظى الحرب في منتصف أبريل 2023، سارعت العديد من الشركات الكبرى والضخمة إلى إعلان منح العاملين فيها “إجازات مفتوحة” تحت لافتة براقة ومضللة: “الحفاظ على سلامتكم”. لكن هذا الوعد النبيل شكلياً، تحول تدريجياً إلى فخ زمني وقسري قاسي.
لقد واجه الموظفون مصيرهم المجهول دون استلام أي رواتب أو علاوات طيلة هذه الفترة الطويلة التي أكملت عامها الثالث! بلا أي دخل، وبلا مظلة أمان مالية، تُرك آلاف الموظفين القدامى الذين أفنوا زهرة شبابهم في بناء هذه الكيانات وتضخيم أرباحها في فراغ مدمر، يتجرعون مرارة العوز والعجز عن تلبية أبسط متطلبات الحياة لأسرهم.
*اقتصاديات الانهيار: من 500 جنيه إلى 9 آلاف للدولار!*
إن طعنة التجاهل الإداري وقطع الرواتب لم تأتِ في فراغ، بل رافقها تسونامي اقتصادي مرعب ضاعف من قسوة المأساة. فحين اندلعت الحرب، كان سعر صرف الدولار الأمريكي يستقر في حدود 500 جنيه سوداني. اليوم، ومع تعنت هذه الشركات وامتناعها التام عن الصرف، قفز سعر صرف الدولار ليقارب حاجز الـ 9 آلاف جنيه، متزامناً مع تفاقم جنوني في أسعار السلع الأساسية.
هذا التدهور المريع يعني أن تراكم الشهور والسنين دون أي أجور أو علاوات قد أفقد العاملين القدرة حتى على مجاراة أبسط أطواق النجاة المعيشية، فباتت مستحقاتهم المتجمدة لا تساوي شيئاً أمام جحيم التضخم وغلاء المعيشة.
*نزوح قسري ومفارقة عودة النشاط*
لقد أجبرت جحيم الحرب السواد الأعظم من هؤلاء العاملين وأسرهم على النزوح المأساوي من ديارهم إلى المدن الآمنة نسبياً، متجرعين مرارة التشرد والبحث المضني عن مقومات البقاء.
ولعل المفارقة الأكثر إيلاماً، أن العديد من هذه الشركات ذاتها قد نفضت غبار الحرب، وعاودت نشاطها التجاري والصناعي، وافتتحت مكاتب وفروعاً جديدة لها في معظم المدن الآمنة، مستأنفةً جني الأرباح الطائلة. إلا أن هذه العودة المظفرة لم تصاحبها أي التفاتة لأولئك الذين انتظروا لسنوات بلا أجر، بل تعاملت الإدارات معهم بسياسة “التطنيش الممنهج”.
*غياب الضمير المؤسسي وفراغ الرقابة والقانون*
ولعل أشد ما يفاقم هذه المأساة ويجعلها تنطوي على طابع كارثي، هو حدوثها في بيئة تتسم بـ غياب تام لضمير بعض أصحاب العمل، الذين تخلوا عن أبسطوازع أخلاقي أو إنساني تجاه من صنعوا ثرواتهم. وتتكامل هذه الكارثة الأخلاقية مع غياب مؤسسي وقانوني صارخ؛ حيث تعطلت منظومة تطبيق قانون العمل، وتوارت الجهات الرقابية الحكومية، وغابت تماماً النقابات العمالية المستقلة والفاعلة التي تملك القدرة على حماية حقوق هذه المجموعات الضعيفة والوقوف في وجه تعسف رأس المال. هذا الفراغ القانوني والرقابي أتاح لبعض الشركات أن تضرب بالقوانين والأعراف عرض الحائط، آمنة من العقاب والعواقب.
*نداء أخير*
العدالة للموظفين والعاملين القدامى في هذه الشركات ليست منّة ولا تفضلاً، بل هي حق أصيل لا يسقط بالتقادم ولا بظروف الحرب أو انهيار العملة.
مطلوب اليوم إعادة بناء الصوت العمالي والضغط المجتمعي والإعلامي لفضح هذا التنصل، وإلزام هذه الشركات بصرف كافة الرواتب والعلاوات المتأخرة ومستحقات نهاية الخدمة وفق القيمة الفعلية والعادلة، لحفظ كرامة من أفنوا أعمارهم في خدمة الاقتصاد الوطني قبل أن تتحول هذه القضية إلى قنبلة اجتماعية موقوتة.
محمد مراد بدر منير
الجمعة ٢ أكتوبر ٢٠٢٦م.












