اعمدة

عبدالباقي جبارة .. يكتب : “فزع الحروف” .. “الفلنقاية مها”.. تحياتي !

أولاً، لا بد من الاعتذار مقدماً على هذا النص الذي أكتبه مرغماً، رداً على الزميلة العزيزة مها التلب، والتي لم يكن بيني وبينها طوال زهاء عشرة سنوات منذ أن عرفتها في الوسط الصحفي إلا كل احترام وتقدير ،

 

 

 

أولاً، لا بد من الاعتذار مقدماً على هذا النص الذي أكتبه مرغماً، رداً على الزميلة العزيزة مها التلب، والتي لم يكن بيني وبينها طوال زهاء عشرة سنوات منذ أن عرفتها في الوسط الصحفي إلا كل احترام وتقدير ، رغم أنني لم يجمعني بها أي عمل. لكن حتى الأمس كنت أكن لها احتراماً كبيراً لأنها تمضي في مسيرتها دون أن تلتفت لمن اختلف أو اتفق حولها. وبالتأكيد دائماً ما أتجنب الخوض في أي مسائل شخصية متعلقة بزميل أو زميلة إلا فيما يتعلق بالمهنة، بل تجدني متعاطفاً مع مها في كثير من الهجوم الذي تتعرض له بسبب عملها، وآخره المطالبة من قبل دعاة الحرب بإيقافها لأنها ساوت في تقاريرها بين الجيش والدعم السريع، واتهامات أخرى لا تعنيني في شيء.
ولكن بالأمس تلقيت منها طعنة نجلاء، كمكافأة غالية مقابل كل مشاعر الاحترام التي أكنها لها. وصراحةً، منذ الأمس أضغط على نفسي ألا أرد عليها، ولكن كانت دهشة زملاء أعزاء تداخلوا معي في الخاص أكثر ألما مني لما بدر من مها ، حيث لفت نظري أحدهم قائلاً: إن لم يفعل شيء “البوست” الذي كتبته إلا كشف الوجه الحقيقي لمها التلب لكفاك شرفاً.
والدافع الثاني للرد أنها أساءت إليّ همزاً ولمزاً باسم والدي عندما أطلقت النداء: يا (حبارة)، والحبارة هي نوع من أنواع الطيور، يعني يا “طيرة”. ولعمري، هذا أسلوب لا يليق بنجمة في قناة دولية متميزة، فكان لا بد من الرد عليها، لعلها ترجع إلى صوابها. وكما يقول المثل: “البطلع ليك متقشط قابلو عريان”.
كل السبب أنني كتبت خاطرة موجودة على صفحتي، لم أذكر فيها اسم شخص، وهي تمثل موقفي المبدئي وقناعتي الشخصية التي لم تتبدل منذ الطلقة الأولى، لكنني في كل مرة أعبر عنها بطريقة مختلفة.
سبحان الله اللحظة التي دونت فيها مها الإساءة على صفحتي، فقد كنت عائداً من صفحتها ترحمت على فقدهم الجلل وواسيتها ، وهو بالتأكيد فقدنا جميعاً. لكن إساءتها فتحت بصيرتي لحقيقة مُرة، أولها أن الزميلة مها لم تحس بالوجع إلا بعد ثلاثة أعوام من اندلاع الحرب عندما نالت من لحمها ودمها، كما كتبت هي على صفحتها، وقالت إنها كانت تنقل أخبار المعارك والقتل والجوع والنزوح وغيره، ولم تتوقع أن تكتب هذه المرة عن لحمها ودمها.
بمعنى أن كل تقاريرها على قناة الشرق المحترمة أو أي وسيلة إعلامية أخرى عبارة عن زيادة دخل بالنسبة ل مها، ولذلك علقت لي قائلة : “لا تكذب فوق وجعنا وجراحنا”، كأنها لم تدر أننا شربنا من هذا الكأس جراء هذه الحرب اللعينة مرات ومرات ومن كل الأطراف، لكننا لم نزايد بلحمنا ودمنا على أحد، أو نُسئ لزميل بسبب موقفه أو قناعاته.
يا عزيزتي مها، في الشهور الأولى للحرب دخلت قوات الدعم السريع منزلنا وأخذت منا أعز رجلين، وهما شقيقا زوجتي. الكبير قُتل في نفس اليوم تعذيباً، والآخر لا نعلم مصيره حتى الآن. ورغم مرارة الفقد قلنا: لا للحرب، حتى لا يطال أبرياء آخرين.
وبعد ذلك بعدة أشهر، قتلت مسيرة من الجيش في غرب أم درمان أربعة أشخاص من اسرتنا ، فيهم ابن الخال وابن الأخت، يفع لم تتجاوز أعمارهم العشرينات، وقلنا: لا للحرب، حتى لا يطال الوجع أسرًا أخرى، وأن استمرار الحرب لن يرجع أرواحاً ذهبت إلى بارئها.
ثم أعقب ذلك بفترة قصيرة أن مسيرة أطلقها الجيش في سوق ليبيا بأم درمان قتلت ابن أختي وابنه، ولا ذنب لهما سوى أنهما كانا يبحثان عن رزق اليوم باليوم في سوق الله أكبر، وقلنا: لا للحرب، حتى لا يصلك وجعنا يا مها، لأن لحمك ودمك لا ذنب لهم فيما أصابنا.
وعندما خرجت الحرب إلى ولاية الجزيرة، نلنا نصيبنا من الوجع، حيث لدينا ثلاثة شباب في مجزرة ود النورة التي ارتكبتها قوات الدعم السريع بقيادة كيكل حينها. وأيضاً كان موقفي الثابت: لا للحرب، لأن استمرار الحرب لا يحقق العدالة، بل هو غطاء للإفلات من العقاب ومزيد من ارتكاب الجرائم. ولن يشفي وجعنا إذا طالت الحرب لحم غيرنا، ولن يشفي وجعنا إذا توجع غيرنا.
ولذلك ألف لا للحرب، ولن ألومك لأنك لم تواسيني، ولن ألومك لأنك عكستِ وجهاً واحداً للحرب في تقاريرك، حتى عن مدينة الأبيض التي فيها لحمك ودمك كما فيها لحمي ودمي.
والأبيض، يا سيدتي، تعاني الأمرين. فإذا كان الدعم السريع قد أطبق عليها الحصار، وقتل أهلها بالمسيرات ، فإن حكومة بورتسودان التي تنعمين بأمنها وأمانها وشققها وفنادقها الفاخرة ومياه البحر الدافئة، هي العاصمة التي منعت عن لحمك ودمك في الأبيض الغذاء والدواء بحجة أنه سيصل إلى أعدائها، بل واتخذتها معبراً ومختبراً لتجاربها العسكرية في سبيل الوصول إلى غرب كردفان أو دارفور.
فهل أشرتِ لذاك في تقاريرك المهنية يا خبيرة ؟ ، وهل أشرت للجيش بأن يسلكوا طريق الصحراء حتى لا تُطبق تجاربهم على لحمك ودمك في الأبيض وبارا وكازقيل والحمادي وغيرها، التي سقطت واستُردت عشرات المرات، وكان وقودها لحمك ودمك ولحمي ودمي؟ لأن أي دم وأي لحم يسقط في هذه البلاد إذا من الشرق أو الغرب الشمال أو الجنوب يخصنا ، أو يخصني، إذا كان يخصك لحمك ودمك فقط الذي شعرتِ به بعد ثلاثة أعوام من اندلاع الحرب.
ثم أيتها النجمة اللامعة، ملكة السبق الصحفي والتي دائما تجيب من (جووووه) ، من هو “الحبارة”؟
نعم، كما قال ابن خلدون: الإنسان ابن بيئته. ولأنك كردفانية لديك خبرة في أنواع الطيور شبهتيني بالطيرة ، ولكن لا أدري لماذا شبهتِيني بالحبارة؟ هل لموسيقى الاسم؟ أم لأن هذا النوع من الطيور سهل الاصطياد وليس لديه “جنرال يحميه”؟ لأن الحبارة دائماً تكون منفردة، وحركتها ثقيلة لأنها ضخمة من فوق وساقاها رقاق، مثل الفتاة “المجوبكة”، حتى إذا ما أرادت أن تخس تصبح مثل الجدادة منتوفة الريش.
والحبارة في الغالب يكسوها ريش أسود يتخلله بعض البياض، مثل الفتاة السمراء التي استخدمت كريم تفتيح البشرة فضربتها شمس بورتسودان الحارقة فأصبحت متعددة الألوان.
بالمناسبة، الحبارة ذات قيمة عالية جداً، وتستخدم غذاءً لصقور الباز، وتبلغ قيمتها في دول الخليج حوالي 15 ألف دولار، بمعنى أن اصطياد حبارة واحدة أفضل من عائد تقارير حرب ثلاثة أعوام في السودان، وهي لا تغطي لحمنا ودمنا بأمانة ووفاء للمهنة.
وسيظل ( هو ) المسؤول الأول عن وجعنا ولحمنا ودمنا، وإن تعدد المجرمين إلى يوم الدين.
وسيظل قولنا قولاً واحداً: لا للحرب، وألف لا للحرب.
والحساب يجمع إذا توفرت منصات العدالة في الدنيا، وإلا فـ”يوم الفصل كان ميقاتاً”.
صدق الله العظيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى