الدكتور رائد ناجي .. يكتب .. حين تُحتكر الجنة فكرياً !
ليس جديدًا في التاريخ الفكري والديني أن تتكرر بنى القول حين تختلف الأزمنة وتتبدل الوجوه؛ فالفكرة قد تتنكر في ثوب جديد، لكنها

ليس جديدًا في التاريخ الفكري والديني أن تتكرر بنى القول حين تختلف الأزمنة وتتبدل الوجوه؛ فالفكرة قد تتنكر في ثوب جديد، لكنها تحتفظ بجذرها الأول: ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، وحصر النجاة في دائرة ضيقة تُغلق أبواب الرحمة أمام سائر المختلفين. وفي هذا السياق يمكن قراءة التشابه البنيوي بين بعض الخطابات المعاصرة ذات الطابع الإقصائي، وما ورد في النص القرآني من تصوير لحالة مماثلة سادت في التجارب الدينية السابقة.
يقول الله تعالى في محكم التنزيل:
﴿وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى﴾.
إنها آية قصيرة في مبناها، عميقة في معناها، تكشف عن ذهنية دينية مغلقة، لا ترى في الجنة إلا امتدادًا لذاتها، ولا تعترف بالآخر إلا بوصفه خارج دائرة الخلاص. إنها ليست مجرد حكاية تاريخية عن اليهود والنصارى، بل هي نموذج معرفي يتكرر كلما استبدّت جماعة بفكرة “الفرقة الناجية” بمعناها الحصري، لا بمعناها الأخلاقي الروحي.
إن الخطورة في هذا النمط من التفكير لا تكمن فقط في ادعاء النجاة، بل في نفي إمكانية النجاة عن غيره؛ أي تحويل الإيمان من مساحة رحبة قائمة على التقوى والعمل والرحمة، إلى “ملكية فكرية” محتكرة باسم جماعة أو تيار أو تأويل واحد. وهنا يتقاطع هذا المنطق مع بعض الخطابات المعاصرة التي تُعيد إنتاج الفكرة ذاتها: نحن وحدنا على الحق، ومن سوانا على الباطل، وإن اختلفت المصطلحات وتبدلت الشعارات.
إن القراءة التحليلية لهذا التشابه لا تهدف إلى المساواة بين النص المقدس وأي خطاب بشري، فالنص القرآني في أصله يصف الحالة ليعالجها، لا ليؤسس لها. بينما الخطاب البشري حين يقع في أسر هذا النمط، يتحول من توصيف للحق إلى احتكار له. وهنا يكمن الفارق الجوهري بين الوحي والتأويل المغلق.
لقد جاء الرد القرآني الحاسم مباشرة بعد تلك الدعوى الإقصائية، ليضع ميزانًا آخر للفهم:
﴿تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾.
إنه نقلٌ للجدل من دائرة الادعاء إلى دائرة البرهان، ومن خطاب الهوية المغلقة إلى خطاب الحجة والمعيار. فليس الانتماء وحده معيار النجاة، بل البرهان الأخلاقي والمعرفي والعملي.
وفي هذا السياق، يمكن ملاحظة أن بعض التيارات المعاصرة، ومنها ما يُعرف بالاتجاهات الحرفية الصارمة في فهم النصوص، تميل في بعض قراءاتها إلى إعادة إنتاج منطق “الحصرية الإيمانية”، عبر التشديد على أنماط معينة من التدين، وتضييق دوائر الفهم، واحتكار تمثيل “المنهج الصحيح”. وهذه البنية الفكرية، وإن اختلفت أدواتها عن سياقات تاريخية سابقة، إلا أنها تلتقي معها في الجوهر: إغلاق باب التعدد داخل الدين، وتحويل الاختلاف إلى تهديد بدل أن يكون ثراءً.
غير أن النص القرآني ذاته يفكك هذا المنطق من جذوره، حين يربط النجاة بالإيمان والعمل الصالح في سياقات متعددة، ويؤسس لمبدأ عام يتجاوز الانتماءات الضيقة. فالمعيار القرآني ليس هوية شكلية، بل منظومة قيمية قائمة على العدل والتقوى والإحسان. وهذا ما يجعل أي محاولة لحصر الجنة في جماعة بعينها، خروجًا عن روح النص لا امتدادًا له.
ومن زاوية فكرية أعمق، يمكن القول إن الإشكال الحقيقي ليس في وجود اختلافات تفسيرية أو مدارس فقهية، فهذا جزء من حيوية الفكر الديني، بل في تحويل هذا الاختلاف إلى “حدود خلاص” فاصلة بين الجنة والنار، بين الإيمان والكفر المطلق، دون تفويض نصي قاطع أو برهان معرفي متين. هنا يتحول الدين من رسالة رحمة إلى منظومة تصنيفية حادة.
إن القرآن، وهو يروي هذه النماذج، لا يكتفي بالوصف، بل يفتح أفقًا مضادًا: أفق السؤال، وأفق البرهان، وأفق التقوى التي لا تُختزل في جماعة. وهذا الأفق هو ما يضمن بقاء الدين حيًا في مواجهة الجمود، وبقاء الفكر مفتوحًا في مواجهة الانغلاق.
وفي النهاية، يمكن القول إن تشابه بعض الخطابات المعاصرة مع هذا النموذج القرآني الذي ينتقده، ليس دليلاً على التطابق، بل على قابلية الفكر الديني – حين يُفصل عن روحه المقاصدية – أن يعيد إنتاج نفس الأنساق الإقصائية بأسماء مختلفة. وهنا تبرز الحاجة إلى قراءة واعية، تُعيد وصل النص بسياقه الأخلاقي العميق، وتفصل بين الدين كرسالة رحمة، وبين التأويلات التي قد تضيق بما وسّعه الله.
ذلك هو الامتحان الحقيقي للفكر: أن يبقى قادرًا على التمييز بين الحقيقة حين تُفتح، وبينها حين تُحتكر باسم الحقيقة ذاتها.





