حوار ال “7 ” مع نائب حاكم دارفور السابق محمد عيسى عليو (3) …يكشف كواليس تعيينه والياً لشرق دارفور.. ولماذا استقال مرتين واستمر نائبا لحاكم دارفور حتى بعد الانقلاب ؟ … عليو يكشف تفاصيل الساعات الأخيرة وتحذيره حمدوك من انقلاب 25 أكتوبر.. واتصالاته بعبد الرحيم دقلو وقيادات الحرية والتغيير لإجهاضه … اعتقال حمدوك .. وحراسة منزله خاليا وطلب الإذن من ” حريكة ” للتضليل ! … ماذا دار بين البرهان والهادي إدريس والطاهر حجر وانفجر الآخرين غضبا !
في الجزء الثالث من حوار الساعات السبع مع نائب حاكم إقليم دارفور السابق الدكتور محمد عيسى عليو، نواصل استعراض محطات مهمة من تجربته في السلطة خلال الفترة الانتقالية، بدءاً من كواليس

ترياق نيوز ـ حوار : عادل سيد أحمد ، عاصم البلال ، عبدالباقي جبارة ، عماد خليفة

في الجزء الثالث من حوار الساعات السبع مع نائب حاكم إقليم دارفور السابق الدكتور محمد عيسى عليو، نواصل استعراض محطات مهمة من تجربته في السلطة خلال الفترة الانتقالية، بدءاً من كواليس اختياره والياً لشرق دارفور، مروراً بالخلافات التي دفعته إلى تقديم استقالته مرتين، وانتهاءً بكشف تفاصيل تحركاته واتصالاته مع رئيس الوزراء السابق الدكتور عبد الله حمدوك وعدد من القيادات السياسية والعسكرية، قبل انقلاب 25 أكتوبر 2021.
ويروي عليو، في هذه الحلقة، تفاصيل ما دار خلف الكواليس بشأن محاولاته التحذير من الانقلاب المرتقب، والجهود التي بذلها لإقناع حمدوك بإجراء تغييرات سياسية وحكومية تحول دون وقوعه، كما يكشف ملابسات تكليفه نائبا لحاكم إقليم دارفور، واستمراره في المنصب حتى اندلاع حرب 15 أبريل.
عليو : كواليس تعييني والياً لشرق دارفور.. واستقالتان بسبب التهميش وأزمة الحكم والإدارة
سيد عليو، خلال فترة حكومة الثورة، رفض حزب الأمة القومي المشاركة في السلطة، وطلب من قياداته الانسحاب من المناصب، لكنك استمررت في موقعك. لماذا ؟
محمد عيسى عليو: أنا لم يتم تعييني والياً لشرق دارفور باعتباري منسوباً لحزب الأمة، بل جئت إلى المنصب في حالة استثنائية، وكذلك لم يكن تعييني له علاقة بقوى الحرية والتغيير. لذلك لم أكن معنياً بتوجيه حزب الأمة بالانسحاب من المناصب، وكذلك حامد بشير، والي جنوب كردفان، لم يكن معنياً بالانسحاب، وإنما المعنيون بذلك هم اسماعيل وراق والي النيل الابيض وآخرون.
ما حدث أن جهاز الأمن كتب تقريراً لرئيس الوزراء عبد الله حمدوك، مفاده أن هناك ولايتين ملتهبتين أمنياً، وإذا خضعت عملية اختيار ولاتهما لموازنات قوى الحرية والتغيير، فإن ذلك قد يجلب له مصيبة كبيرة. لذلك طلب حمدوك من الحرية والتغيير سحب هاتين الولايتين، وهما جنوب كردفان وشرق دارفور. وكان ينبغي أن تدخل ولاية كسلا ضمنهما، خاصة بعد المشكلة التي حدثت بشأن تعيين صالح عمار.
وعندما قرأ حمدوك الساحة، التقى بأهل المعاليا، فقالوا له إنهم ليسوا ضد الرزيقات، ولا يمانعون أن يكون أحدهم والياً، لكنهم لا يريدون تعيين أحد الشباب صغار السن. وكان الشاب الذي رُشح قبلي اسمه عز الدين الصافي، وكان يعمل بالأمم المتحدة خارج السودان، وهو حديث التخرج.
وبالطبع، كان منتمياً إلى حزب الأمة وأنصارياً، وفاز بترشيح الحرية والتغيير في الضعين، وكذلك فاز في ترشيحات المجلس المركزي للحرية والتغيير. لكن بمجرد اختياره في مجلس الوزراء، اعترض عليه أبناء المعاليا بإيعاز من أهلهم.
وعندما ذهبوا إلى حمدوك، أكدوا له أنهم لا يرفضون الرزيقات، وإنما يريدون شخصاً عاقلاً ومؤهلاً.
هذه هي الظروف التي جاءت بي والياً لشرق دارفور.
وكان حزب الأمة لديه ثلاثة ولاة، هم: محمد عبد الله الدومة في غرب دارفور، وموسى مهدي في جنوب دارفور، وإسماعيل وراق في النيل الأبيض.
سؤال: كيف تقيّم تجربتك والياً لشرق دارفور؟ هناك حديث عن إخفاقات في بعض الجوانب، حدثنا عنها؟
محمد عيسى عليو: تقدمت باستقالتي مرتين من ولاية شرق دارفور.
في المرة الأولى، كان حمدوك قد غادر في زيارة إلى الخليج، وكان يدير مكتبه الشيخ الخضر. سلمته استقالتي، وفي اليوم التالي أبلغوني بأن مشكلتي قد حُلّت.
فقلت لهم إنني لن أتراجع عن الاستقالة إلا بعد حضور وزير الطاقة ووزير الطرق ووزيرة المالية هبة. والسبب أن ولاية شرق دارفور تضخ البترول إلى الدولة، لكنها لا تملك طريقاً يربطها، ولا مستشفى، ولا غير ذلك من الخدمات، وكأنها ولاية ساقطة من حسابات الدولة.
ذهبت إلى وزارة البترول وسألت عن أموال البترول، فقالوا لي: اذهب إلى وزارة المالية. وعندما ذهبت إلى المالية قالوا لي: اذهب إلى وزارة الطاقة.
كنت أطالب بحقوق الولاية من عائدات البترول منذ عام 1978م. وبالمناسبة، عندما تم استخراج البترول من حقل أبو جابرة عام 1978م، كانت هناك مصفاة للبترول في أبوجابرة .
وبالفعل، حضر المسؤولون الذين ذكرتهم، وعقدت معهم اجتماعاً، واعترفوا بوجود أخطاء، ووضعوا برنامجاً خاصاً بشرق دارفور، فقبلت به وتراجعت عن الاستقالة.
أما الاستقالة الثانية، فجاءت بعد مشاركتنا في مؤتمر كان قبيحاً للغاية. فوفقاً لاتفاقية جوبا للسلام، كان ينبغي عقد مؤتمر للحكم والإدارة بعد ستة أشهر من توقيع الاتفاقية، بهدف تحديد الهيكل الإداري في السودان.
فليس من المنطقي أن تكون دارفور إقليماً، بينما تجاورها ولاية غرب كردفان، ويكون النيل الأزرق إقليماً، بينما تجاورها ولاية سنار. كان من المفترض أن يحدد المؤتمر ما إذا كان السودان سيُدار عبر الولايات أم الأقاليم، وهذا البند موجود في اتفاقية جوبا للسلام.
لكنهم عقدوا ورشة، وخرجوا بتوصية بأن تكون جنوب كردفان إقليم وغرب كردفان ولاية. عندها انا رفضت ذلك وغضبت وتقدمت باستقالتي، لكنها لم تُقبل.
اتصل بي حمدوك لأول مرة، فقلت له: الآن أنا مع أهلك المعاليا، ارفع الجلسة حتى أتحدث معك.
فقال لي: لا، من الأفضل أن تظل مع المعاليا، وبعد أن تنتهي من اجتماعك ارجع إليّ.
وبالفعل، عدت إليه في وقت متأخر من الليل، فقال لي: استقالتك السابقة كنت في دبي ورفضتها، وهذه أيضاً مرفوضة، ولو استقلت مرة أخرى فسأرفضها كذلك.
كل هذه الأحداث لم تخرج إلى الإعلام على الإطلاق.
ومع اقتراب موعد العيد، قلت له إنني سأحضر إليه بعد العيد. وبالفعل، ذهبت إليه بعد ذلك ووضعت أمامه جميع المشكلات التي تواجه الولاية.
قلت له إنه لا بد من إجراء مصالحة وطنية، فنحن، رغم اختلافنا السياسي مع الإخوان المسلمين، لا بد من الجلوس معهم، فهم موجودون في ولايتي، ولا يوجد غيرهم في مفاصل الحكم هناك.
ولهذا السبب لم أعمل في ملف إزالة التمكين، وقلت له إن الإسلاميين ليست لديهم رغبة في الحكم في تلك المرحلة، وإنهم ينتظرون الانتخابات، وطلبت منه تخفيف الضغوط عليهم في ملف إزالة التمكين.
كما قدمت له خطوطاً عريضة بشأن المصالحة الوطنية، لكنه، للأسف، بدأ الأمر بالعكس، حيث شكل لجنة برئاسة فضل الله برمة ناصر، بينما كان ينبغي أن تبدأ اللجنة عملها من القاعدة إلى القمة. وكانت مؤشرات تصعيد المواقف واضحة منذ البداية.
سؤال: متى تم تعينك نائب حاكم دارفور؟
محمد عيسى عليو: قبل أن أتخلى عن حكم ولاية شرق دارفور بأسبوعين، تم فصلنا بقرار من البرهان عقب انقلاب 25 أكتوبر.
وقبل ذلك، اجتمعنا نحن ولاة ولايات دارفور الخمسة. وكان مني أركو مناوي قد عُيّن في مايو، لكننا لم نلتقِ به إلا في أكتوبر 2021م.
قلنا له: أنت حاكم إقليم دارفور، وليس لديك قانون يحكم علاقتك بنا، لكننا قبلنا بك بموجب اتفاقية جوبا، وارتضينا بك حاكماً. والآن لدينا مطالب مشتركة نحن الولاة الخمسة في دارفور، ونريد أن تذهب معنا إلى حمدوك لتقديمها.
كان مناوي متوجساً من أننا قد لا نتعامل معه، ولذلك ارتاح كثيراً لحديثنا. وفي اليوم التالي مباشرة حضر إلينا مستعداً للتحرك معنا.
قال لنا حمدوك: والله يا ناس دارفور، أنتم تصنعون من الفسيخ شربات! مناوي متى تم تعيينه حتى تجتمعوا معه بهذه السرعة؟
فقلنا له: هذا هو حاكمنا، وهذه مطالبنا.
وكان ذلك يوم 10 أكتوبر 2021م.
بعدها طلب منا مناوي الحضور إلى مكتبه في قاعة الصداقة. وبالفعل، ذهبنا إليه يوم 12 أكتوبر، فقال لنا إنه مريض، وسيسافر إلى أوروبا لزيارة أبنائه، ويريد أن يتولى عليو منصب الحاكم المكلف إلى حين عودته من السفر، إلى جانب استمراري والياً لشرق دارفور.
وأيد أحد الولاة الحاضرين هذا المقترح، بحجة أنني أكبرهم سناً، وبارك ولاة دارفور جميعاً الأمر، وانتهى الاجتماع على ذلك.
وبعد عشرة أيام، اتصلت بي الأمينة العامة لحكومة الإقليم، واسمها توحيدة، وقالت لي: أنت حاكم مكلف، لماذا لم تأتِ إلينا؟
فقلت لها: لكن الحاكم لم يسافر حتى الآن.
فقالت: لقد طلب منك الحضور غداً إلى شارع الستين بالخرطوم، لحضور اجتماع لديه.
وكان ذلك يوم 24 أكتوبر 2021م، أي قبل الانقلاب بيوم واحد.
وبالفعل، حضرت الاجتماع، لكن مناوي لم يحضر، وترك وصية بأن أدير الاجتماع نيابة عنه باعتباري حاكماً مكلفاً.
أدرت الاجتماع بالفعل، وفي المساء انتشر عبر الوسائط الإعلامية خبر توقيع مناوي على قرار تكليفي بحاكمية الإقليم.
وفي صباح 25 أكتوبر، أي في اليوم التالي مباشرة، صدر قرار بفصلي من ولاية شرق دارفور، لكنني أصبحت حاكماً مكلفاً لإقليم دارفور إلى جانب مناوي.
وبالطبع، شمل قرار الانقلاب حل جميع الولاة، وأصبحت أنا في موقف غريب؛ فهناك من كان يعزيني لفقداني منصب الوالي، وآخرون يباركون لي المنصب الجديد نائباً لحاكم دارفور.
ومناوي كان في حكومة البرهان باعتباره حاكم إقليم دارفور ، وقرار تعييني كان بيد مناوي وليس بيد البرهان، ولذلك استمريت معه في المنصب.
المحور الثاني: تحذير حمدوك من الانقلاب قبل وقوعه..
وكواليس الاتصالات مع دقلو وقيادات الحرية والتغيير
سؤال: ثم ماذا بعد ذلك؟
محمد عيسى عليو: بما أن لدي معلومات عن أن هناك انقلاباً سيقع . يوم الجمعة 22 أكتوبر 2021م، خطرت ببالي فكرة، فاتصلت بحامد البشير، والي ولاية جنوب كردفان.
قلت له: أنا قابلت حمدوك ثلاث مرات بصورة رسمية، لكنني أريد اليوم، الجمعة 22 أكتوبر 2021م، زيارته في منزله. وأنت صديقه، فإذا كانت هناك فرصة، يمكن أن نرتب زيارة له.
وبعد ساعة، عاد إليّ وأكد لي ترحيب حمدوك بالزيارة، فطلبت من حامد البشير مرافقتي.
وأثناء دخولنا منزل حمدوك، وجدنا طه عثمان إسحق، القيادي بقوى الحرية والتغيير، خارجاً من المنزل، وكان معه علي بخيت، مدير مكتب حمدوك.
قلت لحمدوك: أنت اخترتني والياً، واعتبرت ذلك قفزة في الظلام، لأنك لم تكن تعرف عني أي شيء، والحمد لله ربنا سترني معك، ولم تحدث أي مشكلات قبلية طوال عام كامل، ولم تقع سوى حادثتين تتعلقان بالنهب المسلح.
لكنك اخترت حامد بشير هذا لأنه زميلك في الجامعة وابن بلدك، وتعرف عنه كل شيء.
أما النقطة الأهم التي أريد أن أوصلها إليك، فهي أن العسكريين يرتبون لانقلاب، ولدي معلومات مؤكدة بأن المراسيم جاهزة بالفعل. لذلك أرجو منك أن تتحرك، وبدلاً من أن يتغدوا بك، عليك أن تفطر بهم.
لقد ارتكبت خطأً عندما كانت حكومتك تكنوقراط، ثم ضغطوا عليك حتى أصبحت حكومة حزبية. لذلك يجب أن تعود الأمور إلى نصابها الصحيح، وأن تُحل هذه الحكومة وتعود إلى حكومة تكنوقراط.
والنقطة الثانية أن هناك بعض الأشخاص الذين أصبحوا غير مقبولين لدى العسكريين، لكن ينبغي أن لا يكونوا موجودين في الحكومة القادمة، مثل خالد سلك وإبراهيم الشيخ وآخرين، وأن تعمل مصالحة بينهم وبين محمد الفكي سليمان.
فسألني حمدوك: ماذا فعل هؤلاء؟
فقلت له: إبراهيم الشيخ كان يجلس على الأرض ويقول: يا ناس الجيش، أحضروا لنا شخصاً غير البرهان. ولذلك هم ينظرون إليه باعتباره شخصاً مدنياً يريد التدخل في شؤون الجيش.
أما محمد الفكي سليمان، فقال لهم: أنا تنازلت عن مستواي وجلست معكم أنتم العسكريين.
لذلك، فإن الأشخاص الذين يستفزون العسكريين يجب إبعادهم عن دائرة المواجهة، مع ضرورة معالجة الأمر اليوم قبل الغد، لأن الانقلاب أصبح جاهزاً.
فقال لي حمدوك: أنا اسمع بأن هناك انقلاباً قادماً، لكن أن تكون المراسيم جاهزة، فهذا أمر خطير.
فقلت له: وصلتني معلومات بشأن المراسيم من مصدر موثوق، ولذلك حضرت إليك ومعي حامد البشير حتى يكون شاهداً على ذلك.
واتفق حامد البشير معي في الرؤية.
عندها قال علي بخيت، الذي كان يجلس معنا: بعد مليونية 21 أكتوبر أمس انا متابع من وسائط الثوار حيث يقولون ، بأن حمدوك سيضرب بيد من حديد، ولن يخاف من أي شخص بعد ذلك .
فقلت له: هذا ليس حلاً، ويجب ألا تكترثوا للمظاهرات. ما يجري داخل أروقة الجيش هو الخطر الحقيقي، وفي تقديري أن هذا هو مصدر الانقلاب القادم.
فسألني حمدوك: ما هو الحل؟
قلت له: المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير يضم ثلاثاً أو أربع شخصيات عاقلة، مثل فضل الله برمة ناصر وكمال بولاد وأحمد حضرة. ويمكننا الاتصال بهم الآن، لكن يجب أن يتم الأمر بسرعة.
وافق حمدوك على أن يأخذ رأي المجلس المركزي، وخرجنا على أن يمضي في معالجة الأمر، على أن نعود برؤية نهائية.
وفي ذلك الوقت كان اعتصام القصر، المعروف إعلامياً بـ«اعتصام الموز»، قائماً، وكانت شعارات مثل: «الليلة ما بنرجع إلا البيان يطلع» تتردد فيه، وهي دعوة صريحة لانقلاب الجيش على الحكومة المدنية.
خرجنا من منزل حمدوك في الساعة العاشرة مساءً، وتوجهنا مباشرة إلى منزل فضل الله برمة ناصر في امتداد ناصر، فوجدناه يعقد اجتماعاً مع قيادات حزب الأمة.
قلنا له: نحن الآن قادمون من عند حمدوك، والبلد في خطر، ونرى أن على حمدوك اتخاذ خطوة تسبق هذا الانقلاب.
وطرحنا عليه الفكرة نفسها التي ناقشناها مع حمدوك.
رحب فضل الله برمة ناصر بالفكرة كثيراً، وطلبنا منه المساعدة في تنفيذها، كما أوكلنا ملف التواصل مع الحرية والتغيير المجلس المركزي .
بعد ذلك افترقنا أنا وحامد البشير، وأثناء وجودي في الطريق راجعت هاتفي، واتصلت بالفريق عبد الرحيم دقلو، فهو من أبناء بلدي وصديقي، وبيننا معرفة سابقة.
أبلغته بالمخاوف التي تحدثنا عنها، فقال لي: نعم.
فقلت له: لا بد أن يقوم حمدوك بخطوة تمتص حماس الجيش.
فسألته: ماذا يُطلب منه أن يفعل؟
فقال لي: بالأمس أشاد حمدوك بثوار أكتوبر في المليونية، وكان من المتوقع أن يقول كلمة في حق جماعة اعتصام الموز، لكنه لم يفعل.
فقلت له: عليكم أن تلتقوا به وتتحدثوا معه.
وصلت إلى المنزل واتصلت بحمدوك، فرد عليّ مباشرة، فأبلغته بما دار بيننا وبين فضل الله برمة ناصر وعبد الرحيم دقلو.
فضحك حمدوك من حديث عبد الرحيم دقلو بشأن عدم إشادته بجماعة اعتصام الموز، وقال لي: أليس هؤلاء هم ناس أكتوبر؟
فقلت له: هؤلاء مختلفون عن ناس أكتوبر.
وأكد لي أنه سيجتهد في التواصل مع قوى الحرية والتغيير، وأن أواصل أنا جهودي في الاتجاه نفسه.
وفي يوم السبت 23 أكتوبر، اتصلت بأحمد حضرة وحدثته عن الخطر المحدق بالبلاد.
قلت له: لا أرى أن لدى العسكريين أسباباً عميقة، لكن إذا شعروا بالغضب فقد يرتكبون أي خطأ.
فقال لي أحمد حضرة: إن مقررية المجلس المركزي في هذه الأيام ليست في يدي، وإنما في يد مدني عباس مدني.
فأخذت منه رقم هاتف مدني عباس مدني، لأنني لم أكن قد التقيته من قبل. اتصلت به، واستقبلني استقبالاً جميلاً.
أبلغته بما حدث والمخاطر التي تواجه البلاد، فقال لي: اليوم في السابعة مساءً يعقد المجلس المركزي اجتماعاً، تعال وقل لهم هذا الكلام.
فقلت له: لا، فالزمن ليس في صالحنا. أين أنت الآن؟ يمكنني أن أصل إليك في أي مكان، لأنني أريد أن أحضر إليكم قبل السابعة حتى تكونوا جاهزين لاتخاذ قرار.
فقال لي إنه سيتصل بي هاتفياً، لكنه لم يعد للاتصال.
تذكرت طه عثمان إسحق، الذي قابلناه خارجاً من منزل حمدوك، وهو شاب أعرفه حق المعرفة، وأعتبره بمثابة ابني.
رويت له القصة كاملة، وأكدت له أن هناك انقلاباً قادماً.
فقال لي: لا يوجد أي انقلاب، انسَ هذا الوهم، فلن يحدث انقلاب مرة أخرى.
فقلت له: يجب أن تسمع حديثي، وأن تعملوا شيئاً حتى لو وقع الانقلاب، فلا يكون لديه مبرر. هذه الحكومة أخطأت، وإذا حكمت الأحزاب فلن تكون هناك عدالة، وحتى لو أُجريت انتخابات فإن الأحزاب الحاكمة الآن هي التي ستفوز مرة أخرى، وبذلك لن تتحقق العدالة. لذلك يجب أن تكون الحكومة تكنوقراط.
تحدثنا لمدة 45 دقيقة، إلى أن قال لي إنه آسف جداً، لأن لديهم مؤتمراً صحفياً سيدخله، وسيعود إليّ لاحقاً، لكنه لم يتصل بي مرة أخرى.
وكان ذلك هو المؤتمر الصحفي الذي تعرض فيه قيادات الحرية والتغيير للاعتداء من قبل الأجهزة الأمنية.
المحور الثالث: الساعات الأخيرة قبل انقلاب 25 أكتوبر.. اعتقال حمدوك وملابسات استمراري نائباً لحاكم دارفور
سؤال: ماذا حدث بعد ذلك؟
محمد عيسى عليو: في يوم الاثنين 25 أكتوبر 2021م وقعت الطامة الكبرى، ونفذ الانقلاب، وصدر قرار بحل الولاة.
وبعد وضع حمدوك في الحبس، اجتمعنا نحن ثلاثة من الولاة، وهم حامد البشير، والي جنوب كردفان، وأديب عبد الرحمن، والي وسط دارفور، وتوجهنا إلى منزل حمدوك.
عندما وصلنا، وجدنا حرساً طويل القامة أوقفنا، فقلت له: أنا الوالي عليو.
فقال لنا: نحن نعرفكم، وسبق أن زرناكم في بلدكم، ولم تقصروا معنا، لكن حمدوك الآن بخير وليس لديه أي مشكلة. عليكم أن تتواصلوا مع مستشاره حريكة حتى يمنحكم إذناً مكتوباً لمقابلته.
وبجوار منزل حمدوك كان منزل الهادي إدريس، فذهبنا لزيارته، ووجدنا معه الطاهر حجر.
كان الاثنان قد عادا من اجتماع مع البرهان، وكانا ضد الانقلاب، وقد بدت عليهما حالة شديدة من الغضب والانفعال بسبب ما حدث، وتحدثا كثيراً عن الانقلاب وما دار مع البرهان.
بعد ذلك خرجنا، واتصلت بحريكة، وعندما طلبت منه ورقة مكتوبة تسمح لنا بزيارة حمدوك، ضحك عليّ وقال: هل صدقت كلام الحرس؟ حمدوك ليس في منزله.
عندها تأكدت أن حمدوك معتقل، وأن ما قاله لنا حرس المنزل لم يكن سوى تضليل من قادة الانقلاب العسكري.
بعد ذلك سقطت الحكومة، وأصبحت والياً مقالاً، لكنني كنت قد أصبحت نائباً لحاكم إقليم دارفور، وكان مناوي قد أصدر قرار تعييني رسمياً.
وبعدها قابلت قيادات حزب الأمة، وقلت لهم: أنا استقلت مرتين من الولاية التي كنت معيناً فيها رسمياً، والآن أريد أن أستقيل من منصب نائب حاكم إقليم دارفور.
فقالوا لي: يجب ألا تستقيل، لأن أي شخص تم تعيينه بعد الانقلاب لا يُعد تابعاً لنا، لكنك أنت تم تعيينك قبل الانقلاب، ولذلك عليك أن تصبر .
واستمررت في المنصب إلى أن اندلعت حرب 15 أبريل.
نواصل إن شاء الله…












