شرارة واحدة تكفي.. حرائق المخيمات تُضاعف مآسي النازحين في السودان
لم تعد الحرائق التي تندلع في مخيمات النازحين بالسودان مجرد حوادث عابرة، بل تحولت إلى كارثة إنسانية متكررة تُضاف إلى سلسلة المآسي التي يعيشها ملايين المدنيين الذين أجبرتهم الحرب على

تقرير: مهاد عبدالباقي
لم تعد الحرائق التي تندلع في مخيمات النازحين بالسودان مجرد حوادث عابرة، بل تحولت إلى كارثة إنسانية متكررة تُضاف إلى سلسلة المآسي التي يعيشها ملايين المدنيين الذين أجبرتهم الحرب على مغادرة منازلهم والاحتماء بأكواخ بدائية شُيدت من الحشائش الجافة وأغصان الأشجار والأقمشة البالية وجوالات البلاستيك، وهي مواد شديدة القابلية للاشتعال.
وخلال الأشهر الماضية، شهدت مخيمات النازحين في إقليمي دارفور وكردفان سلسلة من الحرائق المدمرة التي أودت بحياة مدنيين، وأتت على مئات الأكواخ، ودمرت ما تبقى من ممتلكات النازحين، لتفاقم أوضاعهم الإنسانية في ظل الحرب التي دخلت عامها الرابع.
ولم تعد هذه الحرائق تندلع عرضاً، خاصة في إقليم دارفور، بل باتت تتكرر بصورة لافتة نتيجة لاكتظاظ المخيمات، واعتماد النازحين على مواد بناء سريعة الاشتعال، إلى جانب الرياح القوية واضطرار الأسر لإشعال النيران في العراء لإعداد الطعام في ظل غياب الخدمات الأساسية.
وفي كل مرة، تلتهم النيران عشرات الأكواخ المؤقتة، وتقضي على الممتلكات القليلة التي يملكها النازحون، فيما تجد آلاف الأسر نفسها بلا مأوى، تفترش الأرض وتفترق تحت أشعة الشمس الحارقة التي تتجاوز درجات حرارتها 40 درجة مئوية في معظم أنحاء السودان.
ورغم فداحة هذه الكوارث، فإنها لا تحظى بالاهتمام الكافي وسط استمرار أطراف النزاع في توسيع رقعة المواجهات العسكرية، الأمر الذي يؤدي إلى نزوح المزيد من المدنيين، في وقت وثقت فيه منظمات إنسانية ودولية حجم الانتهاكات والمعاناة التي يعيشها السكان.
ويواصل طرفا الحرب تبادل الاتهامات والتنصل من المسؤولية، بينما يزداد عدد النازحين داخلياً إلى أكثر من تسعة ملايين شخص، جميعهم بحاجة ماسة إلى الغذاء والرعاية الصحية والمأوى، في واحدة من أكبر أزمات النزوح الداخلي في العالم.
حريق طويلة… مأساة جديدة
في التاسع من فبراير/شباط الماضي، اندلع حريق واسع في مخيم طويلة العمدة، أدى إلى تدمير أكثر من 500 كوخ بالكامل، وإلحاق أضرار بنحو 100 كوخ آخر، مخلفاً أزمة إنسانية قاسية لآلاف النازحين، معظمهم من النساء والأطفال، بينهم أعداد كبيرة وصلت حديثاً إلى المنطقة.
وأسفر الحريق عن وفاة طفل وإصابة عدد من النازحين، فيما لا تزال مئات الأسر تفترش العراء بعد فقدان مساكنها.
وتقول النازحة آمنة عبدالله، المقيمة في طويلة، إن الحريق لم يكن الأول الذي يشهده المخيم، لكنه كان الأكثر تدميراً.
وأضافت: “سبق أن اندلعت حرائق في المخيم وفي مخيمات أخرى، لكن النازحين كانوا يتمكنون من السيطرة عليها قبل امتدادها. هذه المرة كان الحريق عنيفاً، وساعدت الرياح القوية على انتشاره بسرعة بين الأكواخ”.
وتتابع آمنة، التي نزحت سابقاً من مخيم زمزم قرب الفاشر: “اضطرت مئات الأسر إلى البقاء في العراء لفترة طويلة قبل أن تحاول مجدداً بناء أكواخ جديدة، في ظل نقص الحشائش والأغصان التي أصبحت نادرة بسبب الأعداد الكبيرة من النازحين الذين تجاوز عددهم مليون شخص في المنطقة”.
وأضافت أن تكرار الحرائق يزيد من معاناة النازحين الذين لا يملكون القدرة على تعويض خسائرهم أو إعادة بناء مساكنهم، في ظل غياب الدعم الإنساني الكافي.
مخيم كلمة… آلاف الأسر بلا مأوى
وفي مارس/آذار الماضي، اندلع حريق هائل في مخيم كلمة قرب مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور، التهم أكثر من ألف كوخ، وتسبب في تشريد آلاف الأسر، معظمها من النساء والأطفال وكبار السن.
كما دمر الحريق كميات كبيرة من المواد الغذائية والمحاصيل الزراعية، إضافة إلى الممتلكات الأساسية التي يعتمد عليها النازحون في حياتهم اليومية.
ووصف سكان المخيم، الذي أُنشئ عام 2003 واستقبل موجات جديدة من النازحين منذ اندلاع الحرب الحالية، ما جرى بأنه كارثة إنسانية، مشيرين إلى أن النيران تنتشر بسرعة كبيرة وسط الأكواخ المشيدة من الأعشاب الجافة والأخشاب.
وقالت منسقية النازحين واللاجئين، في بيان، إن مخيم كلمة يُعد من أكبر مخيمات النازحين في دارفور، إذ كان يؤوي أكثر من 300 ألف شخص منذ عام 2003، قبل أن يرتفع العدد إلى أكثر من 500 ألف نازح مع موجات النزوح الجديدة.
وأضاف البيان أن الكارثة تمثل عبئاً إضافياً على السكان الذين يعانون أصلاً من سنوات طويلة من الحرب والنزوح.
ويقول مبارك سيف، أحد سكان المخيم: “سكان المخيم من أكثر الفئات ضعفاً وفقراً، وبعضهم يقيم هنا منذ سنوات طويلة، بينما وصل آخرون حديثاً هرباً من الحرب. وأكثر من ألف أسرة أصبحت في العراء بعد أن التهم الحريق الأكواخ والمواد الغذائية والمحاصيل الزراعية، خاصة الذرة التي كانت تمثل احتياطهم الوحيد لأوقات الشدة”.
روكيرو… قتلى وجرحى
وفي السادس عشر من أبريل/نيسان الماضي، اندلع حريق كبير في مخيم روكيرو بمنطقة طويلة في جبل مرة، أدى إلى احتراق نحو 470 كوخاً بالكامل، فيما تضرر أكثر من 80 كوخاً بصورة جزئية.
وأسفر الحريق عن مقتل ثلاثة أشخاص، بينهم طفلان وامرأة حامل، إضافة إلى إصابة 76 آخرين بجروح متفاوتة.
ووصفت منسقية النازحين واللاجئين الحريق بالخطير، وقال المتحدث باسمها آدم رجال إن النيران “التهمت مئات الملاجئ والممتلكات والإمدادات الغذائية، وتركت مئات الأسر بلا مأوى أو غذاء في ظروف إنسانية بالغة القسوة”.
وأكد أن الحادث يكشف هشاشة أوضاع مخيمات النزوح، ويعكس الحاجة الملحة إلى توفير مساكن أكثر أماناً، وخطط فعالة للوقاية من الحرائق والاستجابة السريعة لها، إلى جانب تعزيز الدعم الإنساني للنازحين الذين يواجهون أخطار الحرب والجوع والمرض والحرائق في آن واحد.












