اعمدة

عبدالباقي جبارة .. يكتب .. ” فزع الحروف ” ..الجميل الفاضل صحفي من أهل الباطن… وحكايته مع نجوى قاسم !

بعد نجاح ثورة 19 ديسمبر، ونشوة انتصار الشعب السوداني التي ما زالت مسيطرة على المشهد الإعلامي داخليًا وخارجيًا، الأمر الذي دعا بعض القنوات إلى نقل استديوهاتها إلى الخرطوم، وابتعثت أفضل مذيعيها،

 

بعد نجاح ثورة 19 ديسمبر، ونشوة انتصار الشعب السوداني والتي كانت وما زالت مسيطرة على المشهد الإعلامي داخليًا وخارجيًا، الأمر الذي دعا بعض القنوات إلى نقل استديوهاتها إلى الخرطوم، وابتعثت أفضل مذيعيها، وكان أبرزهم مذيعة قناة العربية والحدث الراحلة نجوى قاسم، والتي كانت نجمة الإعلاميين المتابعين لأحداث الثورة السودانية، حتى عدّها البعض إحدى أيقونات الثورة السودانية، حيث أجرت حوارات عديدة عند زياراتها للخرطوم مع مسؤولين سودانيين، وكذلك استضافات لمحللين وخبراء في الشأن السوداني.
كما يحدث الآن في هذه الحرب، ولكن شتان ما بين مواضيع الثورة التي شاد خلالها الخبراء والمحللون قصورًا من الآمال والأحلام عبر تحقيق أهداف الثورة، وما بين محللين وخبراء اليوم الذين ينسجون سرديات القتل والدمار، ويسوقون مبررات استمرار الحرب.
الشاهد في الأمر أن نجوى قاسم استضافت زميلنا وأستاذنا الجميل الفاضل، الذي يتفق عليه الجميع بأنه صحفي حاذق، وكاتب مجيد، وشاعر نحرير، ومثقف من الدرجة الأولى، وهذا ما يعلمه عنه الجميع. ولكن ما لا يعلمه عنه الكثيرون أنه رجل ذو لمسة صوفية طوّفت فوق متاع الدنيا وسواقطها، فأصبح لا يعبأ كثيرًا بكيف يبدو شكله من حيث الملبس والأناقة، وفي الغالب يعاني منه القميص والبنطال الواحد حتى إذا تحدثا لشكتا آلام المكواة التي تبحر فيهما طولًا وعرضًا على مدى الأسبوع.
لذلك، عندما لبّى دعوة نجوى قاسم ووصل مقر الاستديو، بدا لها كدرويش متبتل في رحاب الله، سما بالروح دون النظر إلى ما على الجسد، فقابلته ببرود شديد مع قليل من عبارات المجاملة، عكس الضيف الآخر الذي أتى بالفارهة ونزل بكامل أناقته، حتى «استعدل أبا حنيفة في جلسته»، واستقبلته نجوى بحرارة ومزيد من دفء المشاعر وابتسامة أكثر اتساعًا.
ولكن سرعان ما تبدل الحال عندما بدأت هذه الإعلامية الحاذقة وذات النظرة الثاقبة تكتشف لتوّها بأن «المروء بالفعل مخبوء تحت لسانه»، وذلك عندما بدأ أستاذنا الجميل يسترسل في الحديث بحضوره الطاغي ورزانته المعهودة، وإرسال المفردات المنتقاة بعناية ك ( اسبيرات)  الساعة لتضبط زمن هذا اللقاء، وعيناه المتسعتان عندما تستجليان من حوله كأنهما رادار يسعفه لربط أحداث الحاضر بالماضي، وبديهة ترسم الاستنتاج الفوري.
حتى تحولت لغة الجسد للمذيعة بكلياتها إلى اعتذار مكتوم لهذا الدرويش الغارق في سماوات المعرفة دون اكتراث لأهل الأرض، حتى إذا ما انتهت الحلقة سارت الحجل بالرجل خارج المكاتب، حتى نالها غبار الخرطوم تيمّنًا بغبار هذا الصوفي، وهي تمارس أرقى أنواع الاعتذار.
تذكرت هذه الحادثة لسببين:
الأول أن مكالمة عبر الوسائط جمعتني بأستاذنا الجميل الفاضل، الذي اختار  أرض الغابات والنمور، أدغال أفريقيا، لمنفاه الإجباري، وانا حسبته يتمرغ في نعيم الأشاوس، خاصة بأنه أتى لتوّه من نيالا البحير، وبالتأكيد هو مطلوب حيًا أو ميتًا لدى «البلابسة»، فوجدته لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، لكنه يتفق مع الأشاوس في ضرورة اجتثاث «المتأسلمين» وتحقيق أهداف الديسمبريين، وإن كان هو يحمل ذلك صدقًا دون زيف، ولا يرجو من وراء ذلك سلطة أو جاه. ووجوده في نيالا بسبب رابط الدم والهدف بلا دماء، وهو ما زال لسانه يلهج بـ«لا للحرب».
ومن خلال حديثي معه بدا لي وكأنه في شارع الجرائد وسط الخرطوم قبيل الحرب، وهو يجلس تحت شجرة على كرسي مهترئ أو طوب مرصوص، ويتحلق حوله الصحفيات والصحفيون، وتداعبه إحدى المتدربات وتطلب الزواج منه، فيرد ساخرًا: «والله ما فضل لي إلا شنبي دا»، ويطلق ضحكته المجلجلة حتى يتدفق كوب القهوة على قميصه الذي شكا لطوب الأرض منه لكثرة ارتدائه حتى أصبح لا لون له.
والسبب الثاني هو سلسلة المقالات التي ابتدرها بالأمس تحت عنوان «تعريف الخبر وحكايات أخرى؟!»، والتي تبدو لك لأول وهلة كأنه درس في أشكال التحرير الصحفي، وإن كانت تحمل ذلك وقد يستفيد منها الكثيرون، لكن هذه المقالات ذات مضامين أعمق من ذلك بكثير، بجانب أن تفكيك أستاذنا الفاضل لبعض الآيات القرآنية يحمل دلالات إيمانية عميقة، لكن الهدف الأسمى – أعتقد – هو رسالة للذين طال بهم الأمد في هذا الشقاء من أبناء الشعب السوداني، وقد يئس بعضهم من حل يلوح في الأفق، ولا يأس من رحمة الله «إلا القوم الكافرون»، وكذلك رسالة إلى الذين أفسدوا على هذا الشعب حياته: «ولا تحسبنّ الله غافلًا عمّا يعمل الظالمون»، صدق الله العظيم.
الشاهد في الأمر أن أستاذنا الجميل الفاضل، رغم قناعتي بأنه ثروة إعلامية وأدبية مهدرة كسائر مواردنا وأرواحنا المهدرة، لكن نتيح لكم الفرصة لتطلعوا على آخر ما كتب أستاذنا الجميل لتكتشفوا شخصية أخرى أعمق من التي تعرفونها .. طالعوا آخر مقالين الجميل الفاضل في مكان آخر من هذا الموقع  ….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى