عبدالباقي جبارة .. يكتب : «فزع الحروف».. إلى الحسين في عليائه!
دائمًا ما نجد اللوم والعتب موجَّهين إلى الاتحاديين بأنهم يقفون عند تاريخ أسلافهم، أولئك الذين أضاءوا صفحات التاريخ فكرًا ونضالًا ومواقف وطنية. لكن خلف خلفهم من أضاع الأمانة وأكل المبادئ و«صوابعه» معًا، كما قال شهيد المنافي، طيب الذكر، الشريف حسين الهندي، طيب الله ثراه:

دائمًا ما نجد اللوم والعتب موجَّهين إلى الاتحاديين بأنهم يقفون عند تاريخ أسلافهم، أولئك الذين أضاءوا صفحات التاريخ فكرًا ونضالًا ومواقف وطنية. لكن خلف خلفهم من أضاع الأمانة وأكل المبادئ و«صوابعه» معًا، كما قال شهيد المنافي، طيب الذكر، الشريف حسين الهندي، طيب الله ثراه:
(نحن نجوع ونأكل صوابعنا، ولكننا لا نأكل مبادئنا).
اليوم تمر علينا ذكراه، التي تصادف التاسع من يناير من كل عام. ورغم مرور عقود على غيابه الجسدي، إلا أنه كأنه أغلق صفحات التاريخ وطوى ما تبقى منها مع كفنه الذي لف جسده المنهك من النضال، وكأنه كان يعلم أن السقف العالي من القيم والأخلاق والتضحيات التي وضعها يصعب على تلك الصفحات أن ترضى بالدنيئة من بعده.
بالأمس قرأت عمودًا صحفيًا لأحد الكُتّاب الإسلاميين، استشهد فيه بأحد المواقف الخالدة للشريف حسين الهندي، المتعلقة بقضية طلاب معهد شمبات، عندما خرجوا لتنفيذ مطالبهم، فحاصرتهم الشرطة المدججة بالسلاح. اجتمع الشريف بقادتهم في مكتبه، وقال لهم بعد أن تعهّد بتنفيذ مطالبهم ـ وكان حينها وزيرًا للمالية ـ:
(لا وزارة المالية ولا كل مؤسسات الدولة تساوي قطرة دم تسيل من أحد الطلاب منكم).
فتحولت حالة الاحتقان إلى هتافات بانتصار قضيتهم.
سيدي الشريف، ترددت كثيرًا في الكتابة بمناسبة ذكراك هذا العام، ليس لأنك أصبحت نسيًا منسيًا، فأنت حيٌّ ألف مرة بتاريخك الناصع وفكرك الذي لم يمت بموت الجسد، لكنني استكثرت ذكر سيرتك على ألسنة من باعوا تاريخك بدم شعبك الذي ضحيت من أجله، ووالَوا الطغاة، أسلاف الطغاة، الذين قهرتهم حيًّا وميتًا، حتى أصبحت شهيد المنافي، وطاف جسدك القارات ليشهد العالم بأنك قدمت ولم تستبق شيئًا.
واليوم يا سيدي، عندما نتذكر قولك:
(نحن حواري الشورى لا الاستبداد، وأنصار الحوار الوطني لا الكبت)،
نجد أن من يدّعون الانتماء إلى المبادئ التي زيّنت صفحات التاريخ، أصبحوا صدى للأحداث، وأبواقًا للاستبداد، وأدوات لضرب بعضهم بعضًا، وصلة عطايا الشموليين والانتهازيين أقوى من صلة الأشقاء. أصبح الوفاء للوطن ترفًا، وبيع القضايا شرفًا.
فماذا تريدنا أن نكتب عن ذكراك؟!
أرض الجزيرة أضحت يبابً، ودماء الطلاب خِضابً، وكل الوطن سرابً… سراب.
نم سيدي بسلام.
إني أرى ضوءًا في آخر النفق مثل الرقراق، وحناجر تقاوم حالة الاحتراب، وحناجر تهتف من قاع الهاوية: حرية، حرية، ثورية أبدية.
عائدون، عائدون، ضحى وعصرية، جحافل وألوية، نبني دولة مدنية، ونحتفي ـ يا الحسين ـ بعيدك المية.








