اعمدة

عبدالباقي جبارة .. يكتب .. “فزع الحروف “.. شوقي وعثمان فضل الله «ساسة».. فلتمدد أزمتنا رجليها ..!

يشهد تاريخنا القريب بأن القوى المدنية المناهضة لطموح العسكر والأنظمة الشمولية أحدثت الفارق، وتفوقت

 

 

 

يشهد تاريخنا القريب بأن القوى المدنية المناهضة لطموح العسكر والأنظمة الشمولية أحدثت الفارق، وتفوقت ـ في لحظات حاسمة ـ على الكفاح المسلح، حينما توحدت إرادتها وحددت هدفها بدقة وعملت من أجله بثقة. تجربة إعلان قوى الحرية والتغيير في يناير 2019 مثالٌ واضح.
اليوم، نحن أمام كارثة أكبر وأزمة أعمق. وليس بالضرورة أن تتكرر الوصفة ذاتها، بل قد لا تتناسب أصلًا مع حجم المأساة الراهنة؛ فالداء استفحل، والأهم من ذلك أن الأجسام نفسها التي جُرّبت عليها الوصفة السابقة استفادت من التجربة، واستنسخت لجان مقاومة وتجمعات مهنية «معلبة». ولا ضير لها في ترديد شعارات ثورة 19 ديسمبر، فهذه الأدوات المزيفة ـ مهما أُنعشَت ـ قد تبقيهم في المشهد أطول وقت ممكن، لكنها لا تصنع تحولًا حقيقيًا عكس إرادة الشعب .
ولكن لو أن «مصنع الثورة» الحقيقي عمل بكامل طاقته، وتفوقت عبقريته في ابتكار أفكار جديدة، لما امتدت أزمتنا لأكثر من عامين شهدا أكبر مآسينا وما زالا.
ومن هذه المقدمة نصل إلى تجربة القوى السياسية المدنية المناهضة للحرب. لا شك أن كل من وقف بصدق ضد هذه الحرب المدمرة، وبأي مبرر إنساني أو وطني، فهو في حلٍّ من دم شعبنا وخراب وطننا. كما لا يمكن إنكار أن هذا الموقف المدني شكّل بدرجة كبيرة حجر عثرة أمام تحقيق الأهداف عبر فوهة البندقية. لكنه ـ في المقابل ـ فشل في إيقاف الحرب، وعقرت عبقريته في إيجاد وسيلة تجمع شتات المدنيين لمواجهة الصلف العسكري.
وضعت هذه القوى نفسها رقمًا صعبًا لا يمكن تجاوزه في أي حل، وقدّمت ذاتها للخارج بصورة أفضل من الداخل، والعزاء أن الداخل اليوم أقرب إلى «سجن كبير» لا رأي فيه لسجين. غير أن تطاول أمد الأزمة جعل هذه «المحطة المدنية» مهددة بتآكلها من الداخل وتشرذمها، حتى بدا المشهد وكأن القوى المدنية تنتظر من يرتب لها المسرح لتدخل إليه، لا فرق إن كان الدخول بالقدم اليمنى أو اليسرى.
هذه حقيقة مرة. ورغم أننا في هذا المنبر ظللنا ندعم بلا مواربة كل فعل مدني يدعو لوقف الحرب والتحول المدني الديمقراطي، ودعمنا للمدنيين دون اصطفاف ليس «عبطًا». فنحن لا ننظر للمصالح الضيقة؛ السلام والحرية والديمقراطية، أيًّا كان من يأتي بها، سيعود ريعها على الجميع. غاية السوداني اليوم بسيطة وعميقة: أن يعيش في وطنه حرًا، آمنًا، بسلام.
لكن الإحباط يتسلل حين نرى معسكر الحرب، كلما بان ضعفه وفشلت بندقيته في فرض واقع يرفضه الشعب والعالم، يقدّم المدنيون أنفسهم بصورة أضعف مما كان يتوقعه الرأي العام.
فخلال شهر واحد فقط، خرج بيانان لقوى مدنية موقعة من أحزاب وشخصيات وطنية، بتطابق شبه كامل في الأسماء والأهداف، مع اختلاف عواصم التوقيع (نيروبي – القاهرة)، دون توضيح للفروق بين هذه التكتلات الجديدة وتلك القائمة أصلًا، مثل «صمود» و«الحرية والتغيير – المجلس المركزي» وغيرها. هذا السلوك إغراق للمشهد لا يقل فوضوية عما يفعله معسكر الحرب، مع فارق أن الأخير ماضٍ بأهدافه، بينما المعسكر المدني ينتظر… ولم يبدل تبديلا.
أمس، صدر بيان ما سُمّي بـ«ميثاق القاهرة»، بقائمة طويلة من الموقعين: أحزاب، أجسام نقابية ومطلبية، وشخصيات عامة، أبرزهم الزميلان العزيزان شوقي عبدالعظيم وعثمان فضل الله. لا أحد ينكر ما قدماه خلال هذه المحنة، ولا نجاحهما في فضح سرديات الحرب ونشر الوعي وسط شعب عملت قوى الظلام على تغييب حقائقه، ولا موقفهما الثابت ضد الحرب وضد إعادة إنتاج النظام البائد.
لكن السؤال المشروع: ما الدور الأكبر الذي يريدان لعبه بالتوقيع على قائمة تتصدرها الأحزاب؟ نعم، هناك أهداف مشتركة، وجميعنا يعمل من أجلها، لكن إن كان لا بد من «تطعيم» قوائم الأحزاب بالإعلاميين، فلماذا هذا العدد المحدود؟ وهل الغاية فعلًا تحقيق الأهداف المعلنة، أم مجرد إضافة أسماء لزيادة الوزن الرمزي؟
الأخطر أن هذه البيانات المتلاحقة تعكس تفرق المدنيين أكثر مما تعكس وحدتهم. فبدل أن ترتقي التكتلات إلى مستويات أوسع، نراها في انكماش: «صمود» أكبر من مجموعة نيروبي، ومجموعة نيروبي أكبر من مجموعة ميثاق القاهرة… ولا نعلم أي العواصم ستشهد ولادة المجموعة الأصغر.
دور الإعلاميين ليس الركوب على «الموجة»، بل تقويم القوى التي تتبنى قضايا الشعب، تمامًا كما يقوّمون السلطة الحاكمة. ولا يستقيم أن يقدم الصحفيون هذا التماهي مع حالة التشظي، كما حدث من شوقي وعثمان.
وقد يُسأل: ماذا نريدهم أن يفعلوا؟ والإجابة: الكثير. زيادة جرعة الوعي لشعب مُغيَّب، توجيه رسائل تقويم واضحة للقادة المدنيين، وابتكار وسائل سلمية أكثر إلهامًا لتغيير هذا الواقع البائس. كم من ناشط أو إعلامي واحد فجّر ثورة في وطنه!
نحن، رغم هذا التصرف المحبط، على يقين بأن ضعف المدنيين وتبلد عبقريتهم لن يتيح لقوى الظلام أن تنتصر، لكنه ـ بلا شك ـ سيطيل أزمتنا. وقد ساندنا هذا المعسكر طويلًا وصمتنا عن أخطائه لغاية أكبر، لكننا لن نصمت بعد اليوم إذا كانت هذه التصرفات إحدى أدوات إطالة معاناة شعبنا. ولن نسمح لأزمتتا أن تمدد رجليها عبركم ..
اللهم اشهد… لقد بلغت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى