اعمدة

عبدالباقي جبارة.. يكتب «فزع الحروف» 2026 عام انتصار إرادة الشعب!

تمر علينا اليوم، الأول من يناير، ذكرى استقلال بلادنا، وهي ذكرى لا تشبه سابقاتها. ذكرى تأتي محمّلة بالألم، مثقلة بالخسارات، لكنها في

 

 

 

تمر علينا اليوم، الأول من يناير، ذكرى استقلال بلادنا، وهي ذكرى لا تشبه سابقاتها. ذكرى تأتي محمّلة بالألم، مثقلة بالخسارات، لكنها في الوقت ذاته مشبعة بعناد الأمل وصلابة الإرادة. سبعون عامًا مضت منذ أن ارتفع علم الوطن إعلانًا لميلاد دولة حرة، وها نحن نستقبل هذه الذكرى فيما تعيش البلاد إحدى أقسى المحن في تاريخها الحديث.
صحيح أن سارية العلم قد انكسرت تحت ثقل الحرب، لكن العلم ذاته لم يسقط. ظل مرفرفًا في وجدان كل وطني حر، نابضًا في القلوب التي لم تساوم ولم تنكسر. فالأوطان لا تُقاس بسلامة الساريات، بل بثبات المعنى في النفوس، وبقدرة الشعوب على حماية جوهرها مهما اشتدت العواصف.
اليوم، يعيش جزء كبير من شعبنا في المنافي، موزعين على دول الشتات، وفي مقدمتهم القوى الحية التي وجدت نفسها مطاردة بين حدود الخوف وضرورات النجاة. أما من بقوا في الداخل، فيرزحون تحت وطأة الحرب والنزوح والقهر، يواجهون قسوة السلاح وقسوة الطبيعة معًا، في معادلة غير عادلة يدفع ثمنها الأبرياء وحدهم.
ومع نهاية العام المنصرم، لم تتوقف نذر التصعيد، ولم تجف منابع الألم. ما زالت الوعود تُصاغ بلغة المدافع، وما زالت الجراح مهددة بمزيد من التعميق. غير أن ما يميز هذه اللحظة الفارقة، أن بارقة الأمل لم تعد مرتبطة بإرادة قائد، ولا برغبة متسلط، ولا بوساطة طامع. إنها إرادة الشعب، الإرادة التي لا تُقهر، والعزيمة التي لا تلين.
هذا هو الشعب الذي أفشل مخططات الحرب، وبدد أحلام كل من راهنوا على انكساره. الشعب الذي ظل، وسط الركام، يغني للحرية والسلام والعدالة. الشعب الذي واجه آلة حرب استخدمت فيها كل أشكال البطش، ومع ذلك لم تنجح في كسر صوته أو مصادرة حلمه.
ثلاثة أعوام مرت والشعب يعيش تحت ظلال القتل والدمار، لكنه لم يفقد بوصلته. ظل يهتف، بإيمان لا يتزعزع، أن النصر ليس حكرًا على السلاح، بل حق لمن يملك الإرادة. لم يعد الشعار مجرد كلمات تُردد، بل صار قناعة راسخة بأن “باسمك الشعب” يمكن أن يُكسر حاجز السجن، بل ويتراجع حاجز الموت نفسه أمام عناد الحياة.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد صراع على السلطة، بل اختبار حقيقي لمعنى الوطن. اختبار يثبت فيه الشعب، مرة بعد مرة، أنه الطرف الأكثر وعيًا والأكثر تمسكًا بالمستقبل. فبين إرادة الطغاة وإرادة الشعوب، يكتب التاريخ دائمًا سطره الأخير لصالح الشعوب.
لذلك، يمكن القول إن عام 2026 ليس مجرد رقم جديد في روزنامة الزمن، بل بداية أفق مختلف. عام تتقدم فيه إرادة الشعب خطوة إلى الأمام، رغم الجراح، ورغم النزيف. عام يؤكد أن الاستقلال الحقيقي لا يُحتفل به في الميادين فقط، بل يُصان بالصبر، ويُستعاد بالإصرار، ويُكتب بتضحيات الذين آمنوا بأن هذا الوطن يستحق الحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى