د التوم حاج الصافي زين العابدين . يكتب .. حين يعترف الجلاد… تسقط كل الأقنعة!

ما قاله المدعو «عامر» على شاشة «طيبة» لم يكن رأيًا، ولا تحليلًا، ولا حتى وقاحة إعلامية معتادة، بل كان إقرارًا كاملًا بجريمة دولة. إقرارًا خرج من فم رجل أمن إسلاموي، مطمئن، واثق، يتحدث من موقع السيطرة لا الدفاع، كمن يعلم أن لا أحد سيحاسبه، لأن الدولة نفسها واقفة في صفه.
عبارته الوقحة: «نحن لا نمنح أحدًا سلطة مطلقة على الدولة»، لا تحتاج إلى تفسير. «نحن» هنا ليست جماعة ضغط، ولا تيارًا سياسيًا، بل تنظيم اختطف الجيش، وصادر القرار، واحتكر الدم. إنها لحظة اعتراف فجّ بأن القائد العام مجرد واجهة، وأن الجيش—بكل تاريخه ورتبه وسلاحه—ليس سوى أداة في يد الحركة الإسلامية.
بهذا الاعتراف، يُدفن نهائيًا وهم «الحرب الاضطرارية»، ويُكشف المستور: الحرب قرار كيزاني خالص. منابر جدة وأديس أبابا وجنيف لم تفشل، بل أُفشلت. أُغتيل السلام بسبق الإصرار، لأن وقف الحرب يعني سقوط المشروع الإسلاموي، وانتهاء آخر فرصة للعودة إلى السلطة على جماجم السودانيين.
كل قتيل منذ اليوم الأول للحرب هو نتيجة قرار سياسي واعٍ.
كل نازح هو استثمار مؤجل.
كل مدينة مدمرة هي بند في ميزانية الخراب.
يتحدث «عامر» كوصيّ على الوطن، لا كمجرد ضابط، لأن الحركة الإسلامية لم تعد تخفي حقيقتها: هي لا تؤمن بالدولة أصلًا. تؤمن بالغنيمة. تؤمن بالهيمنة. تؤمن بأن السودان ساحة مباحة، وأن شعبه مادة قابلة للحرق متى اقتضت الضرورة.
والأكثر فداحة، أن قيادة الجيش—بدل أن تكون خط الدفاع الأخير عن الوطن—ارتضت دور الخادم المطيع. خنوع كامل، وإنكار بائس، وتوسل مفضوح لتبرئة الذات. قائد ينكر وجود الإسلاميين، بينما شيوخهم يهددونه علنًا، ويتفاخرون بأنهم «داخل مكتبه»، ويعلنون عجزه عن مواجهتهم كحقيقة لا جدال حولها.
هذه ليست شراكة بين طرفين متكافئين، بل علاقة سيّد وأداة.
ليست أزمة ثقة، بل أزمة كرامة وإرادة.
فالجيش لم يُهزم عسكريًا… بل انهزم أخلاقيًا وسياسيًا حين قبل أن يُدار من خارج عقيدته المفترضة.
اليوم، تتفسخ هذه الشراكة الدموية لا لأن أحد أطرافها صحا ضميره—فلا ضمائر هنا—بل لأنها استنزفت كل شيء: الدولة، المجتمع، حتى الجيش نفسه. لا عقيدة وطنية، لا مشروع سلام، لا أفق سياسي. فقط حرب مفتوحة بلا هدف سوى استمرار الكيزان في السوق السوداء للدم.
وفي الوقت الذي يُترك فيه الشعب للجوع والموت والتشرد، تتفتح استثمارات الإسلاميين في اسطنبول والقاهرة والدوحة، تُعقد الصفقات، وتُغسل الأموال، ويُحتفل بالخراب من خارج الحدود. فالكوز لا يحارب من أجل وطن، بل من أجل حسابه البنكي.
هذه ليست حربًا أهلية.
وليست صراع جنرالات.
وليست مأساة بلا فاعل.
هذه جريمة منظمة، باعتراف أحد مهندسيها.
ومن لم يفهم ذلك بعد، فالمشكلة لم تعد في غياب الدليل… بل في العمى الطوعي.
د التوم حاج الصافي زين العابدين .خبير علاقات دولية .نيويورك .











