عبدالباقي جبارة .. يكتب .. “فزع الحروف” .. خطى الإمام وصعود الجيل الخامس!
أمس، الأول من يناير 2026م، لم يكن يومًا عاديًا، وكعادة يناير الذي دائمًا ما يحمل البشريات، وأبرز هذه البشريات تاريخيًا هو نيل بلادنا استقلالها المجيد من المستعمر البغيض. وحديثًا شهد يناير اتفاق القوى المدنية في دار الأمة 2019م بإعلان ميثاق قوى إعلان الحرية



أمس، الأول من يناير 2026م، لم يكن يومًا عاديًا، وكعادة يناير الذي دائمًا ما يحمل البشريات، وأبرز هذه البشريات تاريخيًا هو نيل بلادنا استقلالها المجيد من المستعمر البغيض. وحديثًا شهد يناير اتفاق القوى المدنية في دار الأمة 2019م بإعلان ميثاق قوى إعلان الحرية والتغيير، الذي أنهى عهد الإنقاذ الظلامي بعد ثلاثة عقود من الاستبداد. وأحداث كثيرة كانت مفصلية في تاريخ هذا الشعب السوداني الجبار شهدها يناير، لا يسع المجال لذكرها. لذلك حريٌّ بهذا الشهر أن يشهد تجلِّي أثر الإمام الصادق المهدي ، عليه الرحمة والرضوان.

حيث كما كنت أرى دائمًا بأن هنالك بيوتات ركائز دينية وسياسية، تذويبها وخلخلتها هو ضرب لتماسك المجتمع السوداني، تختلف أو تتفق معها، وهذا بالتأكيد لا يحول بينها وبين التطور وبروز قوى جديدة يكون لها الحق المشروع في التنافس على النفوذ، ولكن قطعًا أمة “تبصق ” على تاريخها تكون قد ضلّت طريقها.

بالأمس نجحت اللجنة الموقرة بقيادة ربانها الماهر هاشم مطر، وتفوقت على نفسها في الاحتفاء بالذكرى الخامسة لرحيل الإمام الحقاني الصادق المهدي، عليه الرحمة. أعتقد أن هذه الذكرى تحديدًا دشنت مرحلة مفصلية، وسيكون لها ما بعدها في اقتفاء أثر الإمام الباقي واستشراف المستقبل. و يصعب عليّ بالتأكيد القراءة الدقيقة لما شهدته قاعة نقابة الصحفيين المصريين ليلة أمس بالقاهرة، لكن فقط أكتفي بعناوين بارزة لهذه الليلة، والتي تحتاج لخبراء ومختصين لتحليلها.

وأولًا دعونا نشيد بالترتيب الرائع لهذه الليلة، الذي جعل هذه اللوحة الجمالية تتجلّى وتبرز محاسنها، لتصبح حلّة زاهية في مسيرة المناسبات التي ارتبطت بالإمام الراحل الصادق المهدي. أول هذه التجليات أن هذه المناسبة جمعت أبناء الإمام: أبوة الدم وأبوة الروح، كما قالت المنصورة أمس، بأن أبوة الروح أحيانًا كثيرة تتقدم على أبوة الدم. ، بالأمس وعلى وقع أثر الإمام، سقطت كل الخلافات الظرفية داخل هذا البيت الكبير، وتجلى صدق المشاعر وصدق العزيمة لتجاوز التحديات نحو الوحدة، لحمل الراية، لإدراكهم بأنها لن تسقط، كما قال عمر الدقير في مداخلته المسجلة: بأن أمثال الإمام يرحلون بأجسادهم وتبقى أرواحهم وأعمالهم تمشي بين الناس.
بل خلال ليلة الأمس شهدنا ما لم نشهده عندما كان الإمام موجودًا، حيث رأينا مريم تنهض ببشرى الذي كان يجلس في ركن قصي من القاعة، فشهد الجميع كيف أبناء الإمام يتعانقون: بشرى وعبد الرحمن، ويقدمون فاصلًا من العرضة على وقع ذكر شهداء المهدية. أما مريم، التي اعتبرها الجميع أفل نجمها السياسي، لتنهض من تحت ركام الحرب وتقدم سبع وصايا تمثل ضمير الأمة ومطالب شعب ثورة ديسمبر التي استعصت على التجاوز. وهذه الوصايا السبع تحتاج مساحة أكبر لطرحها، ويكفي ما قال عنها السفير صلاح حليمة من مجلس الشؤون الخارجية المصري في كلمته، وهو عراب المبادرات المصرية لحل المشكل السوداني، والذي قال: ما ذكرته مريم يمثل ما أفكر فيه لتجاوز الأزمة السودانية.
عودةً للوحات الجمالية في تلك الليلة، رأينا كيف مبارك الفاضل يتوسط جلوسًا مريم المنصورة والأمير عبد الرحمن، وهم قيامًا وجلوسًا تفاعلًا مع أحداث تلك الليلة. أما المفاجأة الكبرى فهي الرسالة المعبرة جدًا وصوت كبير العائلة الإمام أحمد المهدي، الذي كان يخاطب مريم المنصورة، وهو يتحدث عن الإمام كما لم يتحدث من قبل، ويؤكد بأننا ما أحوجنا جميعًا للإمام في المحنة التي يمر بها السودان هذه الأيام، ويؤكد بأن الصادق المهدي رقم يصعب تجاوزه حيًا وميتًا، وكان حديثه بمثابة سد الباب لأي زريعة لتشتت شمل هذه الأسرة.
لم تنقضِ جماليات تلك الليلة الخالدة، فكان مشهدًا رائعًا أن نرى الأشقاء كتفًا بكتف مع الأحباب، حيث عبد الله المحجوب، نائب رئيس الحزب الاتحادي، يزين هذه الليلة هو ورهطه، ويكمل الثنائية التاريخية أمة / اتحادي. أما، اليسار الذي يأبى النسيان ولا يحتفي إلا بمن يوقن أنهم يستحقون الاحتفاء، فكان الزعيم الشيوعي صديق يوسف والزعيم البعثي كمال بولاد في مقدمة الحضور.
أما الرجل المصلح الاجتماعي، شاهد عصر عطاء الإمام الأكاديمي، رجل المبادرات الوطنية البروفسور قاسم بدري، كان يجلس خلف القاعة كأنه حباسة لهذا العقد النضيد من الانفراط، كان يجلس خلف القاعة وهو على كرسي متحرك رغم ظروفه الصحية، شموخ يرفض الانحناء.
أما ثنائية البيت المهدوي: حزب أمة وأنصار، فلم تخلُ الليلة من حكماء، فكان إمام الحلو برزناته وتلك نظراته التي تقرأ خلالها ألف مقال وإن لم يتحدث. أما عبقرية الخطابة والفكر الدكتور عبد المحمود أبو، الذي قدم خطابًا يحمل قيم راتب المهدي وروح المحتفى به الإمام الصادق المهدي، عليه الرحمة والرضوان.
كنت أتمنى أن أسترسل في تلك الليلة التي حوت كل اهتمامات الإمام، الذي لم يهمل الفن والإبداع، فكانت فرقة الجلاد، وشمت محمد نور الذي أبدع كما لم يبدع من قبل، وصوصل والمسرح، والأمين دفع الله فنان الأنصار الذي ألهب الحماس.
أما المفاجأة الكبرى فهو الجيل الخامس من البيت المهدوي الذي أعلن عن نفسه، حين تقدم الشاب الورع، واثق الخطى، مصطفى إمام الحلو، الذي قدم خطابًا مقتضبًا يحمل روح ثورة شباب ثورة 19 ديسمبر، ويؤكد أنها منتصرة لا محالة. ورسالة أخرى للبيت المهدوي مفادها لكبار حزب الأمة: الراية لن تسقط، نحن قادمون قادمون، وردد الحضور: حفظك الله وكفى.
وختامًا، لا يسعني إلا أن أشكر هذه اللجنة الرائعة التي تفوقت على نفسها، وهي برئاسة هاشم مطر، وأسامة سيد أحمد نائبًا، وعضوية كل من: الدكتور عثمان البشرى المهدي، طاهر المعتصم، أسماء الحسيني، سيد صوصل، أحمد يوسف قريبين، تسنيم رابح، حسين برجاس، وعفوًا إذا سقط أي اسم سهوًا.
وبالتأكيد هذه الفعالية باسم العلامة المميزة صالون الإبداع، والشكر أجزله لنقابة الصحفيين المصريين، وكل من جعل هذا العمل ممكنًا، وشكرًا مصر دومًا البلد المضيف، وكل ذكرى وبلدنا أمن وسلام.













