اعمدة

عبدالباقي جبارة .. يكتب ” فزع الحروف ” .. ضياء الدين بلال ” إني أعتذر ل الله “

في سنوات خلت كانت هنالك مشكلة اجتماعية وسط المعارف والأهل وكانت هنالك مساعي كثيرة لإصلاح ذات البين .. وذات يوم احد

 

 

 

 ..

 

في سنواتٍ خلت، كانت هنالك مشكلة اجتماعية وسط المعارف والأهل، وكانت هناك مساعٍ كثيرة لإصلاح ذات البين. وذات يوم، أحد الأطراف، لعلاقتي به الوطيدة، كلفني بأن أمثله في حل هذه القضية، وكانت هنالك تنازلات كبيرة من جانبه. وبما أن حل القضية في مدينة أخرى، جهز لي سيارة خاصة للذهاب إلى المدينة الأخرى، وأجلس مع الطرف الثاني بحضور «الأجاويد» ونحل المشكلة وتعود المياه إلى مجاريها.
لكن عندما وصلتُ المدينة الأخرى ودخلنا في الخطوات الفعلية، فاجأني الطرف الذي كلفني بالتراجع عمّا اتفقنا عليه، وأصبح موقفي في غاية الحرج، وشعرت بالخسران الكبير، خاصة أنني كنت أتمنى أن أكون سببًا في إصلاح ذات البين. وبدأ عليّ الحزن العميق، لم تُخففه كل مواساة الحاضرين.
وكان هنالك أحد أقربائي، رجل بسيط في مظهره، ولم يتلقَّ تعليمًا نظاميًا إلا مدرسة الحياة، لكنه رجل فاهم و(زول واجب). تأثر لحالي تأثرًا كبيرًا، وكان متحركًا معي، وهممنا بمغادرة المدينة بخُفّي حُنين. وكنت أقود السيارة، وقبل المغادرة بدقائق تغيّر الموقف رأسًا على عقب، حيث اتصل طرف ثالث وأثر على موكلي، فقام بدوره وطلب مني تنفيذ ما اتفقنا عليه أولًا، ويعني ذلك إتمام المهمة.
وكان مرافقي، الرجل البسيط، يتابع بهمة كل المحادثات، وعندما علم بتوفيقي في مهمتي فرح فرحًا شديدًا، وأصبح يبحث عن كلمات تليق بهذا الفتح الكبير، فقال لي بتلقائية:
(إنت يا عبدالباقي والله الله دا بحترمك).
والله، أنا فرحت بهذه الجملة العفوية من هذا الأشعث الأغبر، كأنه قالها لي مَلِك، وضحكت حتى استلقيت على مقود السيارة. فقلت له: بس نحن لو طلعنا باحترام الله لينا من الدنيا دي، تاني ما عاوزين أي شيء.
تذكرت هذه الحادثة بالأمس في مناسبة زواج لأحد الأسر السودانية العريقة، زواج ابن معاوية البربر، والتي جمعت كل أطياف المجتمع السوداني، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار سياسيًا، ورموز مجتمع وإعلاميين، وخاصة رجال الأعمال، بل وجغرافيًا كل السودان كان ممثلًا في هذه المناسبة. فقلت لأحد الزملاء: هؤلاء لو اجتمعوا على إخراج شعبنا من محنته لكان لهم ذلك قبل أن يرتد الشيطان طرفه. المهم، هذا موضوع آخر.
لكن سبب سرد القصة أعلاه: نحن مجموعة من الصحفيين (لا للحرب وبلا بسة)، كنا في تلك الصالة الفخمة، تبادلنا القفشات مع بعض الجدية في الشأن العام. فكرر لي الزميل، مستشار رئيس الوزراء محمد عبدالقادر، عتابه لي حول ما كتبته في عمود بعنوان (ضياء الدين بلال..)، وكان قد سبق وانتقدني في صفحتي على الفيس بوك، وقبلت منه ذلك. وقال لي: هذه لغة غير مقبولة من صحفيين ولا تليق في حق زميل، وقبلت منه ذلك.
واليوم قلت له صراحة: أنا نفسي زعلان مما كتبت، واعتبرت ذلك سقطة في اختيار تشبيه غير سليم وفي غير محله. والآن أنتم مجموعة من الصحفيين، أنا أمامكم أعتذر لضياء الدين بلال عمّا كتبت، وكل من مسه ما كتبت، وهذا لا يلغي موقفي الثابت، المختلف كليًا مع ضياء في المشهد العام.
وقبل أن أكمل كلامي، قال أحد الزملاء يقف بجانبي مخاطبًا محمد عبدالقادر: هو أصلًا ضياء الدين بلال ما (شغال بيهو شغلة)، بمعنى لا قيمة لي ولا قيمة لما أكتب. فقلت له: خلاص، أنا بعتذر لله، كما أن الله احترمني وكرمني كبني آدم، فمن حقه عليّ أن أحترم خلقه وأجتهد في تجنب الظلم.
والآن بذات المساحة وبذات الحروف، أعتذر اعتذارًا واضحًا لا لبس فيه لأي عبارة أو حرف مسّ ضياء الدين بلال شخصيًا. وأُشهد الله لم أعلم عنه سوءًا، غير خلاف في الطرح العام فيما يتعلق بالحرب الدائرة الآن. بل طوال مسيرتي الصحفية لم يجمعني به أي عمل، رغم متابعتي له منذ بدايته، وكنت دائمًا أرى بأنه من أميز رؤساء التحرير الشباب، وأنه تدرج في العمل الصحفي الميداني حتى وصل القمة، ومن الأقلام التي كنت أمني النفس أن تظل بعيدة عن أي أجندة تُحسب لأي طرف من الأطراف.
المهم، هذه المساحة أبرأ فيها بنفسي من حقه الشخصي، وأعتذر له ولكل من مسه ما أكتب ولو بكلمة. وشكرًا لكل من أهدى إليّ عيوبي، وشكرًا محمد عبدالقادر، لكن حربنا في محله حتى تضع الحرب أوزارها، بإذن الله، قريبًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى