مقال

أحمد عبد الكريم عبدالله … يكتب .. فلسفة العمل الطوعي بشمال السودان !

 

 

 

منذ أن عرف الإنسان ضفاف النيل في شمال السودان، وعרَف الطين والحر، عרَف معه معنى “الكتف بالكتف”، ولم ينتظر تشريعات ولا مؤسسات ولا صناديق دعم ليفهم أن قوة المجتمع تكمن في تكاتفه.
​في شمال السودان، لم يكن العمل الطوعي مجرد “نشاط” يُمارس مرة في العام لالتقاط صور أو تدوين ذكريات، بل كان هو نمط حياة متكامل، فكان هو البنية التحتية الحقيقية قبل كتل الطين والجالوص، أو الأسمنت والحديد.
​لقد تعددت المسميات، وظلت روح التعاضد والتآذر واحدة؛ فنجد أنه تارة يُسمى (النفير)، فعندما تحين ساعة العمل في الحقول في مواسم الزرع، كان صوت المنادي (الكُبُودار) يوقظ القرية بأكملها، فيخرج الشباب والشيوخ، والنساء والرجال، يحملون معاولهم، لا أجر مادي يُطلب، فالأجر كان في قيمة (اللمة) وفي بركة صينية الطعام الكبيرة التي تجمع الجميع، وفي البركة التي تحل على البيت والحواشة وتمتد لتشمل القرية كلها.
​وتارة أخرى يُسمى (البوش)، فعند الشروع في بناء بيت، أو وقوع أحد في ضائقة، لم يكن السؤال المطروح عمن سيساعد؟ لأن الإجابة كانت حاضرة دوماً: (كلنا)، فجميعنا يحمل الطوب، ويعجن الطين، ويرفع الجدران؛ لأن البيت في منظور الجميع هو بيت للجميع.
​وكذلك في المناسبات الاجتماعية، من فِراش المآتم أو في الأعراس وضروب الأفراح الأخرى، نجد أن القائمين على الجهد التطوعي الخالص هم جميع شباب القرية، فهم السقاة، وهم الطباخون، وهم المنظمون، ولم تكن هناك لجنة منظمة أو مدونة على الورق، بل كان هناك عُرف راسخ وتكافل اجتماعي أصيل، وإنصياع تام لتوجيهات -بل لأوامر- كبار السن.
​ويأتي الأهم من ذلك كله، أن هذه القيمة تجاوزت حدود المناسبات والأفراد لتبني الوطن؛ فمعظم المؤسسات الحكومية الخدمية في شمال السودان قد شُيدت بسواعد أبنائه، ونجد أن المدارس التي تعلمنا فيها، والمراكز الصحية والشفخانات والمستشفيات التي تداوينا فيها، بل وحتى مراكز الشرطة التي تحفظ أمننا، فمعظمها -إن لم يكن جميعها- قد قامت بتكاتف المواطنين وتبرعاتهم وجهدهم الطوعي. لم تنتظر القرى التمويل الحكومي، بل بدأت بنفسها وقال إنسانها ومجتمعها: “نحن أولى ببناء مستقبلنا”.
​إن هذه القيمة أعمق من مجرد مساعدة عابرة، بل هي في حقيقتها فلسفة وجودية مكتملة. ففي الشمال تعلمنا مبكراً أن “يد الله مع الجماعة” وأن “الإنسان كفرد وحده ضعيف”، فكان الفرد يذوب في المجموعة طواعية واقتناعاً لا إكراهاً، ويعمل مع الجماعة لأن كرامة جاره هي كرامته، ولأن همَّ القرية أو الحي هو همّه.
​ونجد اليوم أن العالم يتحدث عن “التطوع” وعن “المسؤولية المجتمعية” وعن “التنمية المستدامة”، بينما مارسها أجدادنا قبل آلاف السنين تحت هجير شمس الشمال، ولم يدونوها في الكتب، بل نقشوها في السلوك وفي القيم والعادات وفي الوجدان.
​إن التحدي الحقيقي الآن هو ألا تضيع هذه القيم مع زحمة وتسارع إيقاع الحياة، أو فرضيات الهجرة والاكتفاء بوسائل التواصل الاجتماعي، بل إن التحدي هو أن نُعلم أبناءنا أن “النفير” باقٍ فينا كقيمة ولن ينتهي، فيمكن أن يكون نفيراً لتشجير مدرسة، أو نفيراً لنظافة مستشفى، أو نفيراً لدعم طالب علم وما إلى ذلك من نماذج التعاضد والتآذر المجتمعي.
​إن شمال السودان لا يحتاج إلى دروس في العمل الطوعي، فهو نفسه مدرسة متقدمة في ذلك، وكل ما نحتاجه هو أن نتذكر فقط أن أقوى اقتصاد وأقوى مجتمع هو الذي يقوم على ساعد الشعب قبل أن يقوم على يد الحكومة، لأنه ببساطة.. نحن منذ القدم نبني بلادنا بأيدينا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى