اعمدة

اشرف عبدالعزيز .. يكتب .. د.احمد الوقيع بين بطش الأمن وفساد سلطة شمال كردفان ..(ضحية يستغيث )!

 

 

 

تتجلى أزمة الضمير والعدالة في أبهى صورها العارية عندما تُسخر أجهزة الدولة ومؤسساتها القضائية والتنفيذية لبطش المواطنين الشرفاء بدلاً من حمايتهم ورفع المعاناة عنهم. إن ما شهدته محكمة جنايات الأبيض العامة برئاسة القاضي أيمن عبد الكريم في ١٦ أغسطس، من صدور حكم جائر وقاسٍ بالسجن المتتابع لمجموع ست سنوات مع مصادرة الأموال بحق الصيدلي د. أحمد سليمان أحمد الوقيع، ليس إلا جزءاً من مهزلة سريالية تدار فيها مؤسسات الضرائب والأمن والقضاء بعيداً عن أدنى قيم الحق والننزاهة.
لقد انطلقت هذه المأساة من ملاسنة عادية حول تقديرات ضريبية لمعصرة زيوت يمتلكها الطبيب، في ظل ظروف حرب طاحنة شلت الإنتاج، ليتدخل عنصر من جهاز الأمن الاقتصادي ويتم استدعاء قوة أمنية اقتادت الرجل واقتحمت خصوصيته عبر تفتيش هاتفه المحمول بطريقة باطلة تجافي مواد قانون الإجراءات الجنائية، لمجرد التفتيش عن ذريعة لإدانته، حتى وجدوا دردشة يعبر فيها عن رأيه الداعي إلى وقف الحرب.
​إن هذا الحكم الصادم يضع السلطة القائمة في مواجهة مباشرة مع العقل والمنطق، إذ كيف يُجرّم مواطن يعبر عن حقه المكفول في حرية التعبير والمطالبة بإيقاف نزيف الدماء، بينما تثبت المحكمة نفسها في أوراقها أنه كان داعماً للقوات المسلحة نقداً وعيناً. إن المطالبة بوقف الحرب ليست جريمة ولا خيانة، بل هي صرخة الإنسانية والوطنية في وجه الدمار، وإن إدانة رجل أثبتت المحكمة دعمه للمؤسسة العسكرية بتهم تقويض النظام أو إثارة الحرب تدل على التناقض الصارخ والهوان الذي وصلت إليه منظومة العدالة. يقف هذا البطش الأمني والقضائي في مفارقة مخزية مع أداء حكومة شمال كردفان، التي تتفرغ لملاحقة شرفاء المواطنين واستعدائهم وتفتيش هواتفهم، بينما تقف عاجزة ومتبلدة تماماً أمام الحصار الخانق الذي يطوق مدينة الأبيض ويلتهم أرواح سكانها يوماً بعد يوم.
​إن هذه الحكومة الولائية التي لم تحرك ساكناً لخلق منافذ إغاثة أو تخفيف وطأة الحصار والتجويع عن المواطنين، هي ذاتها الحكومة التي لم تجد حرجاً في تبديد أموال الشعب المغلوب على أمره وصرف مبالغ مليارية على تذاكر سفر لدستوريين لم يسافروا أساساً، مع اختيار أعلى سقف مالي لتذاكر السفر من بورتسودان إلى جوهانسبرج.
إن فساد الأولويات هذا ينطق بوضوح عن سلطة منفصلة عن واقع معاناة الناس، حيث تُهدر المليارات في ترف المسؤولين، بينما يُساق المواطن المنتِج الداعم لمؤسساته إلى السجن وتصادر أمواله لأنه تجرأ ورفض استمرار الحرائق.
​بناءً على ما خطه المحامي عثمان صالح وتعرية لهذه المحاكمة الجائرة، نرسل نداؤنا العاجل والمباشر إلى جميع المؤسسات الحقوقية الإقليمية والدولية وإلى منظمة الأمم المتحدة والآليات المعنية بحماية حقوق الإنسان وحرية التعبير.
إن الواجب الأخلاقي والقانوني يفرض على هذه الهيئات الخروج عن صمتها والتدخل الفوري للضغط على السلطات السودانية لإلغاء هذا الحكم الباطل، ولتوفير الحماية للمواطنين والمطالبين بالسلام، والتأكيد على أن الدعوة لوقف الحرب حق أصيل وليست جناية.
يجب ألا تُترك أجساد وأموال الشرفاء مثل د. أحمد الوقيع لقمة سائغة في أيدي أجهزة أمنية تتعيش على الأزمات وحكومات ولائية تبتلع الموارد وتترك شعبها تحت وطأة الحصار والظلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى