شول كير أضوم.. يكتب .. قراءة في كتاب القانون العرفي للدينكا في السودان دراسة مقارنة (٢) تأليف/ جون وول ماكيج
الإنسان والقانون بين فطرة التعاون وسلطة الجزاء قراءة في طبيعة الجزاءات القانونية في قانون الدينكا

الإنسان والقانون بين فطرة التعاون وسلطة الجزاء
قراءة في طبيعة الجزاءات القانونية في قانون الدينكا
في هذا الجزء من الكتاب يواصل المؤلف فتح أبواب جديدة لفهم القانون العرفي عند الدينكا، لكن هذه المرة من زاوية أكثر عمقا؛ زاوية تتجاوز النصوص والأحكام إلى سؤال قديم ومتجدد لماذا يلتزم الإنسان بالقانون؟ وهل الإنسان بطبيعته يميل إلى النظام أم أن وجود العقوبة هو الذي يدفعه إلى احترام القانون؟
فكرة التي ينطلق منها الكاتب تقوم على أن الحكم على الإنسان باعتباره كائنا أنانيا أو ميالا للفوضى لا يمكن أن يكون حكما كاملا ما لم ننظر أولا إلى صفاته الإيجابية، ثم نبحث بعد ذلك كيف تتحول هذه الصفات أحيانا إلى مصدر صراع يستوجب وجود الجزاءات القانونية.
منذ بداية التاريخ لم يكن الإنسان كائنا منفردا يعيش خارج الجماعة، بل كانت حياته قائمة على الارتباط بالاخرين. فالإنسان لا يستطيع توفير احتياجاته الأساسية وحده، ولهذا نشأت مجتمعات وتكونت العلاقات الإنسانية على قاعدة التعاون والتكامل.
فلاح لا يعمل بمعزل عن الحداد، والحداد لا يستغني عن صاحب المصنع أو التاجر، وكل طرف يعتمد على الاخر بصورة أو بأخرى. ومن هنا نشأ الإدراك بأن الإنسان يمتلك قدرة عقلية مختلفة عن بقية مخلوقات؛ قدرة تجعله يخطط، وينظم، ويفكر في المستقبل لا لنفسه فقط وإنما لمن يأتي بعده.
وعندما يواجه فرد أو مجموعة خطرا معينا، يظهر الوجه الاخر للطبيعة الإنسانية حيث يتدخل جيران والأقارب وأفراد المجتمع لتقديم العون والمساندة. هذا التضامن هو صورة من صور التنظيم الاجتماعي الذي يحفظ استقرار الجماعة.
ومن هذا الواقع تولدت مؤسسات المجتمع مختلفة لأن الإنسان لم يكتف بالعيش مع الاخرين، بل بدأ ينشئ أنظمة وهيئات وقواعد تنظم الحقوق والواجبات. فأصبح لكل فرد دور يؤديه والتزام يقع على عاتقه تجاه الجماعة.
فالإنسان يحتاج إلى الغذاء، والمسكن، والحماية، وتكوين الأسرة، والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وكل هذه المصالح لا يمكن أن تتحقق إلا في إطار مجتمع منظم تحكمه قواعد تضبط العلاقة بين أفراده.
ولهذا يرى كاتب أن الإنسان بطبيعته يحمل ميلا فطريا نحو النظام، لأن النظام في جوهره ليس قيدا على الحرية، وإنما وسيلة لحماية المصالح وتحقيق التقدم.
لكن هذه الصورة لا تظل ثابتة دائما.
فمع ندرة الموارد واحتدام المنافسة تبدأ المصالح في التصادم. عند هذه النقطة يتحول التعاون إلى تنافس، وقد يتحول التنافس إلى نزاع.
عندما يشعر بعض الأفراد أن طريق التقدم يمر عبر تجاوز الآخرين أو الاعتداء على حقوقهم، يبدأ الصراع الاجتماعي في الظهور. ويصبح كل فرد مستعدا للدفاع عن مصالحه بما يملك من وسائل.
الرغبة في امتلاك المزيد من المال أو النفوذ قد تدفع الإنسان إلى الجشع والأنانية، فيبدأ في تجاهل حقوق الاخرين متى رأى أن مصلحته الشخصية ستتحقق.
وأحيانا لا يكون الدافع هو الطمع وحده، بل الحاجة نفسها قد تصبح عاملا يدفع بعض الأفراد إلى مخالفة القواعد الاجتماعية أو القانونية. فالحرمان والفقر قد يدفعان إلى سلوكيات منحرفة، بينما قد يتجاوز اخرون ذلك ليجعلوا الاعتداء على الاخرين أو استغلالهم وسيلة للحياة.
كما أن المجتمع لا ينظر فقط إلى الأفعال من زاوية الضرر الفردي، وإنما يقيسها أيضا بمدى تأثيرها على التماسك الاجتماعي. لذلك تعد بعض الأفعال اعتداء على النظام العام والقيم المشتركة لأنها تخل بالتوازن الذي يقوم عليه المجتمع.
ومع تضارب المصالح تتولد حالة من الصراع المستمر؛ صراع يهدد الأرواح والممتلكات ويجعل الاستقرار أمرا صعبا.
فالناس متقاربون في القدرات والطموحات، وكل فرد يرى أن له الحق في الوصول إلى أهدافه. لكن عندما تصبح الغاية واحدة والوسائل محدودة، يبدأ التنافس الذي قد يتحول إلى محاولة إقصاء الآخر أو السيطرة عليه.
ولهذا فإن الإنسان قد ينحرف عن القواعد التي وضعها المجتمع عندما يعتقد أن مصلحته الخاصة أهم من المصلحة العامة.
ومن هنا يطرح كاتب سؤال الجوهري إذا كانت الطبيعة البشرية تجمع بين التعاون والصراع، فكيف يمكن ضمان استمرار النظام؟
الإجابة تأتي في مفهوم الجزاء القانوني.
القانون لا يحقق أهدافه بمجرد وجود النصوص، وإنما يحتاج إلى وسائل تنفيذ وإلزام. لأن القاعدة القانونية تختلف عن القاعدة الأخلاقية في أنها لا تكتفي بالنصح، بل ترتبط بإمكانية فرض الجزاء عند المخالفة.
ولهذا ظهر مفهوم العقوبة بوصفه وسيلة لحماية النظام القانوني.
فالجزاء القانوني قد يكون بدنيا أو ماليا أو نفسيا أو اجتماعيا، لكنه في جميع الأحوال يؤدي وظيفة واحدة منع الاعتداء على الحقوق وضمان احترام القواعد.
ومع تطور المجتمعات أصبحت عملية تطبيق القانون أكثر تنظيما، فظهرت المؤسسات القضائية والسلطات المختصة بإنفاذ الأحكام، وأصبح الفصل في النزاعات يتم عبر القضاء لا عبر القوة الفردية.
وفي هذا السياق برزت العقوبات المختلفة التي تهدف إلى الردع والحماية وتحقيق العدالة.
ويرى المؤلف أن الالتزام بالقانون لا يقوم بالكامل على الخوف من العقوبة، لكنه لا ينكر أن وجود الجزاء يظل عاملا مؤثرا في سلوك الأفراد.
فالإنسان بطبيعته يحسب النتائج، ومرتكب الفعل الضار غالبا ما يفكر أولا في إمكانية اكتشافه والعقوبة التي قد تترتب على فعله.
ولهذا يحاول إخفاء أفعاله كلما استطاع، لأن الشعور بإمكانية الإفلات من العقاب يزيد من احتمالات المخالفة.
ومن هنا يخلص كاتب إلى أن القانون من غير جزاء يفقد جزءا كبيرا من فعاليته؛ لأن النص الذي لا يملك قوة التنفيذ يتحول إلى مجرد توجيه أخلاقي، بينما وظيفة القانون الأساسية هي حماية المجتمع وضمان استقراره.
يتبع…
الترجمة/ هنري رياض وعمر محمد الطاهر
الطبعة الأولى/ دار الجيل بيروت، لبنان












