اعمدة

خالد أبو شيبة .. يكتب .. ” الممشى العريض “. . لسنا هاربين… نحن شهود الحرب !

في مؤتمر اتحاد الإعلاميين الأفريقي الآسيوي فوجئت بأحد الإعلاميين المصريين وهو من الكُتّاب القدامى بصحيفة الأهرام _حسب ما علمت_ يتحدث عن الإعلام في مناطق النزاع ثم يعرج على حرب السودان

 

 

 

في مؤتمر اتحاد الإعلاميين الأفريقي الآسيوي فوجئت بأحد الإعلاميين المصريين وهو من الكُتّاب القدامى بصحيفة الأهرام _حسب ما علمت_ يتحدث عن الإعلام في مناطق النزاع ثم يعرج على حرب السودان ليطلق حكماً قاسياً لا يستند إلى معرفة ولا إلى وقائع. . قال بإيجاز إن الإعلاميين السودانيين ما أن اندلعت الحرب حتى غادروا جميعاً إلى مصر وقارن بين ذلك وبين صمود الإعلاميين الفلسطينيين في غزة.
حينها لم يكن الصمت ممكناً ليس لأن الرجل أساء إلينا فقط بل لأنه أساء إلى الحقيقة.. قلت له أمام الحضور أنت لا تعرف السودان ولا تعرف حرب السودان ولا تعرف الإعلاميين السودانيين ولو عرفت شيئاً من ذلك لما قلت ما قلت. . من أخبرك أننا هربنا؟ ومن قال لك إننا تركنا شعبنا في أول أيام المحنة؟
لقد بقينا في الخرطوم ثم في الجزيرة وبين خطوط النار نوثق بالصورة والقلم والكلمة أهوال الحرب وننقل للعالم معاناة المواطنين بينما كانت القذائف تتساقط فوق الرؤوس وكانت الكهرباء والمياه والاتصالات تنقطع وكانت الحياة نفسها على المحك.
الإعلامي السوداني لم يكن يختبيء خلف الشاشة بل كان يسير في الطرقات التي يخشاها الجميع يحمل كاميرته وقلمه وقلبه ويبحث عن الحقيقة وسط الموت. ولم يكن الثمن قليلاً،أكثر من أربعين إعلامياً سودانياً دفعوا حياتهم ثمناً لهذه الحرب اللعينة. آخرون أصيبوا واعتُقلوا وفقدوا منازلهم وتشردت أسرهم ولا زال هنالك من لا يُعرف مكانه ومع ذلك لم يتوقفوا عن أداء رسالتهم.
فأي ظلم أكبر من أن يُختزل كل هذا التاريخ في عبارة تقول إنهم “هربوا إلى مصر” إن المقارنة بين حرب السودان وحرب غزة ليست عادلة لأن لكل حرب ظروفها وتعقيداتها ولكل شعب مأساته الخاصة ولا يجوز أن تُبنى بطولة طرف على إنكار بطولة طرف آخر أما عن وجودنا في القاهرة فلم يكن رحلة سياحية ولم يكن بحثاً عن رفاهية أو نزهة. جئنا ومعنا أمهاتنا وزوجاتنا وبناتنا وأطفالنا ومرضانا نبحث عن بقعة آمنة بعد أن غاب الأمن عن وطن كان يوماً يُعرف بوطن الأمان.
اخترنا مصر _التي حتماً لن نبقى فيها إلى ابد الابدين_ لأنها الأقرب إلى السودان ولأن بين الشعبين روابط لا تقطعها الحروب ولا الحدود. ولذلك فإن ما قاله ذلك الإعلامي لا يمثل مصر التي عرفناها ولا الشعب المصري الذي احتضن السودانيين بمحبة ولا عشرات الإخوة المصريين الذين وقفوا معنا بصدق واحترام إنه يمثل نفسه فقط
وكان أجمل ما في المشهد أن عدداً من الإخوة الفلسطينيين المشاركين في المؤتمر بادروا إلى مواساتنا وأكدوا انهم يعرفون الإعلامي السوداني جيداً ويعرفون شجاعته ومهنيته ووفائه لوطنه وانه أبعد ما يكون عن الجبن الذي حاول البعض الصاقه به.
الإعلامي السوداني الذي لم يختار الحرب ولم يُستشار في شأنها بل فرضت عليه كبقية الشعب المقهور لم يهرب منها كتب عنها وهو جائع وصورها وهو مهدد بالموت وبكى ضحاياها ثم عاد ليكتب عنها من جديد من بقى داخل السودان كان بطلًا ومن خرج كان يحمل جراح وطنه قبل حقائب السفر ومن استشهد منهم كتب بدمه آخر سطر في قصة الوفاء للمهنة وقريباً سيأتي اليوم الذي تكتب فيه قصة هذه الحرب كاملة وعندها سيعرف الجميع أن الإعلاميين السودانيين لم يكونوا متفرجين على المأساة بل كانوا جزءاً من ثمنها ولذلك فاننا لا نطلب شهادة شجاعة من أحد فشهادتنا الحقيقية كتبها الذين سقطوا وهم يؤدون رسالتهم وكتبها شعب كامل رأى ابناءه من الإعلاميين يقفون إلى جانبه في أحلك أيام الوطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى