مقال

ميرغني أبشر .. يكتب .. لقاء مسعد بولس والنرويجيين: هل اقتربت هدنة السودان؟

بالأمس القريب قال مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، ومهندس الرباعية، مسعد بولس، إنه عقد اجتماعاً مثمراً مع وكيل وزارة الخارجية النرويجية أندرياس كرافيك، والسفيرة أنيكن

 

 

 

بالأمس القريب قال مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، ومهندس الرباعية، مسعد بولس، إنه عقد اجتماعاً مثمراً مع وكيل وزارة الخارجية النرويجية أندرياس كرافيك، والسفيرة أنيكن هويتفيلدت، وفريقهما. قد يظن البعض أن هذا الخبر يأتي في سياق التنوير المتبادل بين الأطراف المعنية بحل الأزمة السودانية، إلا أن هذا الخبر ينطوي على دلالات أكثر عمقاً من ظاهر المتبادر. فمنذ أن دخل السودان مدار الاهتمام الدولي بوصفه إحدى أعقد أزمات الدولة في أفريقيا، ظل اسم النرويج حاضراً بوصفه فاعلاً مختلفاً، يتقدّم بخطى محسوبة في لحظات التحولات الحاسمة.

هذا الدور يُعد امتداداً لتقليد إسكندنافي راسخ في السياسة الدولية تجاه أفريقيا، حيث جرى عرفاً توزيع مناطق الاشتغال، فوقع إقليم شرق أفريقيا، وعلى رأسه السودان، ضمن الحيز النرويجي، مقابل أقاليم أخرى للسويد وفنلندا.
في هذا الإطار، بنت النرويج علاقتها بالسودان على معرفة عميقة بتعقيداته البنيوية منذ حرب الجنوب، حين أدركت مبكراً أن الأزمة السودانية تكمن في اختلال تاريخي في بنية الحكم، وإدارة التعدد، وتوزيع الموارد. ومن هنا راكمت علاقات متوازنة ومحترمة مع جميع الفاعلين السودانيين: أحزاباً، وحركات، ومؤسسات عسكرية، وقوى مدنية، ومنظمات مجتمع مدني، ومراكز أكاديمية، إضافةً إلى شخصيات قومية تمثل كل الطيف السوداني دون استثناء.
هذه الشبكة الواسعة من العلاقات بُنيت على حياد موثوق، وهو ما جعل النرويج واحدةً من قلة قليلة من الدول التي حافظت على قنوات مفتوحة حتى في أشد لحظات الاستقطاب.

في التاريخ القريب برز الدور النرويجي بوضوح خلال مفاوضات السلام التي قادت إلى اتفاقية السلام الشامل عام 2005، ضمن إطار الترويكا الدولية، وقد تميّزت عن شريكيها الأميركي والبريطاني بابتعادها عن النزعة المصالحية، وانشغالها بالتفاصيل الفنية الحساسة، لا سيما في ملفات تقاسم الثروة، وإدارة النفط، والترتيبات الانتقالية. وقد استمر هذا الدور بعد التوقيع، ثم بعد الانفصال، سواءً في دعم جنوب السودان أو في مواصلة الانخراط في أزمات السودان الأم، من دارفور إلى المنطقتين.
في كل ذلك تعتمد النرويج ما يمكن وصفه بالدبلوماسية الهادئة، وهي دبلوماسية تبتعد ما أمكن عن المنصات ولا تتغذى على الإعلام، وتعمل كجراحٍ خفي يرتق تفلتات الساسة السودانيين، ويعيد وصل ما انقطع في نسيج السياسة. وهي دبلوماسية قائمة على معرفة دقيقة بالأفراد، والمواقف، والتاريخ السياسي، ولا تتوقف كثيراً عند الخطب السياسية أو البيانات اللحظية لطرفي الصراع.
ولذلك غالباً ما اقترن ظهور النرويج في ملفات الأزمات السودانية بتحريك المياه الراكدة، أو بكسر حالات الانسداد التي عجزت عنها المبادرات الصاخبة.

في خضم الحرب الراهنة حافظت النرويج على هذا النهج. فقد التقى رئيس مجلس سيادة حكومة الأمر الواقع عبد الفتاح البرهان بعدد من المسؤولين النرويجيين في لقاءات متفرقة، اتسمت جميعها بالابتعاد عن الطابع البروتوكولي، والتركيز على جوهر الأزمة.
في بورتسودان التقى البرهان بالمبعوث النرويجي الخاص في سياق حراك دولي مكثف لبحث وقف إطلاق النار وفتح المسارات الإنسانية. كما استقبل لاحقاً وكيل وزارة الخارجية النرويجية أندرياس موتسفيلدت كرافيك في لقاء وُصف بالصريح والبنّاء، جرى خلاله بحث الحاجة إلى هدنة إنسانية، وإعادة إطلاق عملية سياسية شاملة لا تستثني أحداً.

هذه اللقاءات، وإن لم تُضخّم إعلامياً، تعكس جوهر المقاربة النرويجية، القائمة على الحوار مع السلطة القائمة دون منحها شيكاً سياسياً، والضغط الناعم باتجاه وقف الحرب والعودة إلى المسار المدني، دون الوقوع في فخ الاستقطاب أو الاصطفاف.

عودةً إلى مدخل المقال، يكتسب تصريح مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، أهميةً خاصة، حين وصف اجتماعه مع وكيل الخارجية النرويجية والسفيرة النرويجية بأنه “مثمر”، مشيراً إلى العمل على البناء على زخم نداء صندوق السودان الإنساني وصولاً إلى هدنة إنسانية، وضمان الانتقال إلى حكم شامل تقوده قيادة مدنية.

غالباً في لغة الدبلوماسية لا تُستخدم مفردة “مثمر” اعتباطاً، خصوصاً في ملف بالغ التعقيد كسودان اليوم. وغالباً ما تعني أن خطوط التواصل الخلفية قد اكتملت، وأن الوسيط الحكيم عاد إلى موقعه الطبيعي، منسقاً مع الولايات المتحدة والرباعية، دون أن يتصدر المشهد.
فالنرويج لا تدّعي امتلاك مفاتيح الحل، ولا تطرح نفسها وصياً على السودانيين، لكنها تمتلك ما هو أندر في السياسة الدولية: الثقة، والمعرفة، والصبر الاستراتيجي. ولهذا فإن حضورها الهادئ في هذه اللحظة، مقروناً بلقاءاتها مع مختلف أطراف الصراع، وتصاعد التنسيق مع واشنطن، قد يكون أحد المؤشرات القليلة الموثوقة على قرب وقف نزيف الحرب، وفتح أفق واقعي نحو السلام العادل والدولة المدنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى