مقال

أبا ذر شكيري .. يكتب .. “علي حافة الضوء” ٠٠الكائن الحزبي في السودان: كيف تصنع الأحزاب أدوات الاستبداد؟

في السودان لا تبدو أزمة السياسة محصورة في الانقلابات أو الحروب أو فشل الانتقال الديمقراطي بل تتجاوز ذلك إلى ما هو أعمق وأخطر أزمة الأحزاب نفسها وطبيعة الكائن الذي تنتجه داخل بنائها التنظيمي والثقافي.

 

 

في السودان لا تبدو أزمة السياسة محصورة في الانقلابات أو الحروب أو فشل الانتقال الديمقراطي بل تتجاوز ذلك إلى ما هو أعمق وأخطر أزمة الأحزاب نفسها وطبيعة الكائن الذي تنتجه داخل بنائها التنظيمي والثقافي.
في المجتمعات التي يغيب فيها حكم القانون وتتراكم فيها خيبات التاريخ لا تتحول الأحزاب السياسية إلى مدارس لتخريج سياسيين، بل إلى معامل لإنتاج كائنات حزبية. والسياسي في جوهره هو من يجيد إدارة الاختلاف والتواصل مع الخصوم وتحويل الصراع إلى أفق وطني. أما الكائن الحزبي، فوظيفته الأساسية هي نفي الآخر وتخوينه، وتجريده من حقه في الاختلاف.
وهذا هو بالضبط ما يحدث داخل الأحزاب السودانية، على اختلاف شعاراتها وتوجهاتها. فالأحزاب يمينًا ويسارًا، دينية ومدنية تتشابه في بنيتها العميقة تقديس القيادة، تحريم النقد، وتحويل التنظيم إلى غاية لا وسيلة. العضو الحزبي لا يُطلب منه التفكير، بل الطاعة، ولا يُكافأ على الأسئلة، بل على الولاء.
ومع مرور الوقت، تتحول هذه الأحزاب إلى كيانات تكره منتسبيها دون أن تعترف بذلك. تستخدمهم كأدوات صراع، ومخالب للهجوم، ووقودًا في معارك لا أخلاقية. يُدفع العضو إلى مواجهة المجتمع وتشويه الخصوم، وتبرير القمع، حتى تتآكل إنسانيته تدريجيًا. يفقد قدرته على التعاطف، ثم ينتهي به المطاف كارهاً للآخرين، بل كارهاً لذاته.
وحين يُطلب من هذا الكائن الحزبي تنفيذ الأوامر، فإنه لا يتردد: ملاحقة متظاهرين سلميين، ضربهم، تشتيت صفوفهم، أو التغطية الأخلاقية على العنف باسم القضية أو الثورة أو الدين أو الوطن. هنا لا يعود الضمير معيارًا، بل التعليمات.
الأخطر من ذلك أن الأحزاب السودانية لا تبحث عن حلول للأزمة الوطنية بل عن انتصارات رمزية على الخصوم. فالسحق أهم من الإصلاح، وتشتيت الآخر أهم من بناء المشترك. ولهذا تُعبّأ الكائنات الحزبية وتُدفع إلى التهلكة، وحين يُقتل أحدهم، يُعاد تعريف موته سياسيًا، ويُمنح لقب “شهيد” في عملية فجّة لتشويه الحقيقة واستغلال الدم.
وتشويه الحقيقة لا يبدأ من الدم بل من اللغة فالخطاب الحزبي في السودان مليء بمفردات ضخمة فارغة تُستخدم للتعبئة لا للتنوير وللتحريض لا للفهم. وهكذا يتشكل وعي مشوّه ولغة مشوّهة وثقافة سياسية لا تنتج إلا الاستبداد حتى وهي ترفع شعارات الحرية.
من هنا تصبح الجامعة واحدة من أخطر ساحات الجريمة السياسية. فالعمل الحزبي داخل الجامعات في السودان لم يكن يومًا تدريبًا على الديمقراطية بل كان تجنيدًا مبكرًا واستغلالًا لهشاشة الطلاب وزجًّا بهم في صراعات أكبر من وعيهم تحولت الجامعات من فضاءات معرفة إلى ساحات استقطاب ومن معامل عقل إلى معسكرات تعبئة.
لذلك فإن منع النشاط الحزبي داخل الجامعات ليس عداءً للسياسة ولا قمعًا للوعي بل ضرورة لحماية الوعي نفسه فالجامعة يجب أن تكون مكانًا لتعلم التفكير النقدي لا لتلقين الولاء ومكانًا للاختلاف المحترم لا للتخوين والعنف
إن أزمة السودان الحقيقية ليست فقط في من يحكم بل في كيف نفكر سياسيًا، وكيف تصنع أحزابنا أعضاءها وما لم يتم تفكيك نموذج الكائن الحزبي وإعادة تعريف العمل السياسي كمسؤولية أخلاقية وإنسانية قبل أن يكون صراعًا على السلطة، ستظل الأحزاب السودانية تعيد إنتاج الاستبداد
حتى وهي تزعم محاربته

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى