اعمدة

عبدالباقي جبارة .. يكتب .. “فزع الحروف” رسائل بن سلمان هل يلتقطها البرهان؟!

لا شكّ أن اللقاء الذي تمّ بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان أمس

 

 

لا شكّ أن اللقاء الذي تمّ بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان أمس بقصر اليمامة بالعاصمة الرياض، لم يكن بحالٍ من الأحوال لقاء علاقات عامة أو لقاءً عابرًا، بل هو لقاء مفصلي بكل ما تحمل الكلمة من معنى. وبالتأكيد رمى فيه ولي العهد عصارة ما قامت به المملكة منذ اندلاع الحرب، وابتدار منبر جدة لإيقاف هذه الحرب بعد ثلاثة أسابيع من اندلاعها، وحتى وضع الملف برمته أمام الرئيس ترامب في زيارته الأخيرة لواشنطن. ولذلك جاء لقاء الأمس بقوة الدفع لجهود المملكة في الملف السوداني من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.

وعليه، فإن الوصول للقاء الأمس جاء بعد ترتيبات دقيقة ومحكمة، وأكبر دليل على ذلك الزيارة الخاطفة للوفد السعودي برئاسة نائب وزير الخارجية الخريجي ولقائه البرهان ببورتسودان قبيل وصول البرهان إلى الرياض. ولذلك كان لقاء ولي العهد والبرهان أمس، الذي امتد لثلاثة ساعات، برنامج عمل، وليس للأخذ والرد وعبارات المجاملة. وبالتأكيد لم يخرج ما دار في الاجتماع للعلن، ولم تتحدث عنه الجهات الرسمية، وما خرج من بيان لم يكن إلا لإشباع نهم الإعلام لمعرفة مخرجات هذا اللقاء.

لكن ما أُعلن من شكل اللقاء، وما ظهر في الصور، يعبر عمّا طُرح فيه دون جدال، خاصةً أن الأمير محمد بن سلمان يدرك تعقيدات المشهد السوداني، فكانت أدوات حلحلته حاضرة في الاجتماع. وكل قارئ حصيف للمشهد سيفهم أن وجود وزير الدفاع السعودي ووزير المالية — إذا استثنينا وزير الخارجية باعتباره الجهة التي رتبت اللقاء — لكن هذه القيادات الرفيعة لم تحضر لالتقاط الصور، وبالتأكيد لم يكن حضورها بهدف مناقشة مشروعات ثنائية بين البلدين كما يتحدث البعض عن شراكة استراتيجية، والدليل على ذلك عدم حضور نظرائهم السودانيين، رغم أن الشراكة الاستراتيجية بين السودان والمملكة يفرضها الواقع بحكم أمن البحر الأحمر والعلاقات التاريخية بين البلدين، ولا سيما أن السودان يُعد صاحب أطول ساحل على البحر الأحمر.

والسؤال الذي يفرض نفسه: ما هي الرسائل العملية التي وضعها الأمير بين يدي البرهان؟ أعتقد أن الرسالة الأولى هي حضور وزير الدفاع، ووجوده لا يعني دعم استمرار الحرب، بل رسالة بأن المملكة على استعداد لحماية أي اتفاق يتم، وبالتالي تبديد مخاوف البرهان الأمنية والعملية على الأرض. وهذا لا ينفي احتمالية عقد اتفاقية دفاع مشترك مستقبلًا، لكن في دولة السودان المستقرة، وليس المهددة وجوديًا.

الرسالة الثانية هي وجود وزارة الخارجية بكل ثقلها، وتعني أن المملكة يمكن أن تلعب دورًا كبيرًا في رتق تصدعات العلاقات الخارجية للسودان، خاصة التي حدثت على إثر الحرب. وبالتأكيد وجود وزير المالية يعني تأمين إعادة الإعمار وإنعاش الاقتصاد السوداني الذي انهار فعليًا بسبب الحرب، بجانب قادة الأجهزة الاستخباراتية التي تحمي وتحصن الخطوات الإيجابية من أي اختراق لمحاولات الإفشال.

والسؤال الأهم: هل تعمل المملكة العربية السعودية متفردة؟ إطلاقًا، بل تستصحب معها كل مطلوبات المجتمع الدولي وأطروحاته المتعلقة بالملف السوداني، وقبل ذلك دول الجوار. وهي تتفق مع جمهورية مصر العربية ذات التأثير والروابط الأكبر مع السودان، حيث تتفق معها على وحدة السودان والمحافظة على مؤسسات الدولة، وعلى رأسها القوات المسلحة التي يجب أن تكون موحدة وتحتكر السلاح. وأيضًا توصلت الدولتان، مصر والسودان، إلى قناعة بأنه لا حل عسكريًا للنزاع بين الجيش والدعم السريع، مع عدم اعترافهما بأي قوات عسكرية خارج الجيش السوداني. وفي ذات الوقت يدركون أن الدعم السريع ليس قوات عسكرية تقاتل على الأرض فقط، بل تسنده جهات عديدة داخلية أو خارجية، وعليه فإن معالجة أمره ستظهر في التفاصيل.

إذًا، إذا صحت قراءتنا للقاء الذي تم بالأمس بقصر اليمامة بالرياض، فإننا سنشهد مرحلة جديدة لنزع فتيل أزمة السودان قبيل انصراف هذا العام الذي لم يتبقَّ منه سوى أسبوعين اثنين فقط. وبالتأكيد سنشهد أن جميع الشعب السوداني سيهتف بلسان واحد: (لا للحرب، لا للحرب). وسيفتح التاريخ صفحات جديدة لكل من سعى لإيقاف نزيف دم شعبنا.

وتحية المجد والخلود لكل من سالت دماؤهم من أجل أن تبقى راية هذا الوطن عالية خفاقة، وأن يعيش شعبنا وينتصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى