محمد ضياء الدين يرسم معالم الطريق لرفقاء الكفاح عبر منتوجه البكر ” التحالفات السياسية في السودان “.. ونحن هنا .. القاهرة تكتب وتطبع وتقرأ.. و«القارئ لا يُهزم» !
في واحدة من أمسيات القاهرة الاستثنائية، التي شهدت حدثاً مهماً كان يمكن أن يكون عادياً، لو أن من يقف وراءه رجل استثنائيا . اما الحدث ألا وهو دعوة لحضور تدشين عنوان جديد تحت مسمى «التحالفات

القاهرة : عبدالباقي جبارة

في واحدة من أمسيات القاهرة الاستثنائية، التي شهدت حدثاً مهماً كان يمكن أن يكون عادياً، لو أن من يقف وراءه رجل لم يكن استثنائيا . اما الحدث ألا وهو دعوة لحضور تدشين عنوان جديد تحت مسمى «التحالفات السياسية في السودان.. دروس التجربة وآفاق المستقبل»، يضاف إلى المكتبة السودانية التي استقبلت عناوين كثيرة خلال سني الحرب، من السودانيين في ملاجئهم المختلفة، لكن القاهرة تصدرت المشهد في هذه السنوات، وتجسدت فيها المقولة الراسخة لدى المثقفين السودانيين:

«القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، والخرطوم تقرأ».
الجديد في الأمر أن القاهرة وحدها أصبحت تكتب وتطبع وتقرأ، لكن في حضرة الشعب المشرئب دوماً للمعرفة والاطلاع هو الشعب السوداني الذي فر إليها جراء الحرب العبثية في وطنه . ورغم أن الشعب السوداني كان دائماً زاهداً في الكتابة، فإن هذه الفاجعة، أي فاجعة الحرب، ولّدت فيه حاسة الكتابة، فأصبح هو الذي يكتب ويقرأ، ووجد نفسه في القاهرة التي تتيسر فيها الطباعة، وهنا اكتملت ذاكرة هذه الأمة.

كما أسلفت، كان يمكن أن يمر تدشين هذا العنوان كما العشرات من العناوين التي تشهدها أو نسمع بها شهرياً في ليالي القاهرة الساهرة، لكن استوقفني خبر عابر من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، يقول إن كاتباً جزائرياً مضى وقتاً طويلاً يمارس العصف الذهني ليخرج كتاباً يثري به المكتبة الجزائرية أو العربية على وجه العموم. وعندما خرج الكتاب من المطبعة في ثوب قشيب، وأعجب صاحبه، وأراد أن يقدمه للقراء بطريقة تليق به، استأجر قاعة بكامل تجهيزاتها، وأحضر نسخاً من كتابه إليها، ولكنه تفاجأ، وقت التدشين، بأن القاعة خالية من الحضور، ما عدا شخصاً واحداً هو مقدم الحفل، وبجوارهم نسخ الكتاب الجديد تندب حظها لأنها أتت في هذا الزمن الأغبر . فما كان من مؤلف الكتاب إلا أن انفجر باكياً، ولم يجد حتى من يربت على كتفه.

هنا سرحت بخيالي، وتذكرت دعوة وصلتني عبر «الواتساب» من الزميلة العزيزة أسماء الحسيني، فحواها كالآتي:
«بتشريف مركز فيجن للتدريب والتنمية المستدامة، الراعي الرسمي لتدشين الكتاب.. “التحالفات السياسية في السودان.. دروس التجربة وآفاق المستقبل”، تأليف محمد ضياء الدين، بمشاركة كل من: المهندس إمام الحلو، والأستاذة رحمة عتيق، والأستاذ طارق عبدالمجيد، والأستاذ نادر السماني، والأستاذ محمد الأمين أبو زيد، وتدير المنصة والنقاش الأستاذة أسماء الحسيني، وذلك بمقر حزب الكرامة بالدقي».

رغم أن الدعوة، بما حوته من أسماء طاغية على المشهد، ومجرد ذكرها يشكل حضوراً بهياً، فإنني توهمت أن ما حصل للكاتب الجزائري، لو حصل لكاتب من كتابنا أو رمز من رموزنا الثقافية، لكان فاجعة جديدة تضاف إلى فواجعنا، لا تقل فداحة عما واجهناه في هذه الحرب اللعينة. فقررت أن أكون أول الحاضرين، فإذا بي أجد نفسي آخر الحاضرين، ليس لأنني تأخرت في الزمن، بل لأن الذين كانوا أحرص مني على حضور هذه الفعالية إن لم يكونوا بالمئات، فحتماً بالعشرات، وأكبر دليل على ذلك أن معظم الشباب كانوا وقوفاً، وتركوا المقاعد للمتقدمين في السن والنساء.
فعندما تأملت المنصة، وجدت محمد ضياء الدين شامخاً، رافعاً ساعده، كأنه يوجه موكباً من مواكب الديسمبريين، أو كأنه خارج من بيوت الأشباح متحدياً جلاديه، أو معلماً يرسم للأجيال معالم الطريق. فأعدت النظر كرتين، فوجدت أنها خلفية المنصة، وأن محمداً حاضر بروحه وصورته وفكره، أما جسده فأضناه البعاد عن هؤلاء الأحبة الذين ضاقت بهم الدار بما رحبت. حتماً تداعوا، ليس بسبب هذا الكتاب ، بل لأنهم يحفظون للرجل أن كل ما يقدمه، سواء أكان شفاهة أم مكتوباً، فهو عنوان.. والعنوان ليس عنواناً لكتاب، بل عنوان لمسيرة طويلة من النضال والكفاح في سبيل الحرية ووطن متسامٍ فوق الجراح.
أما الجالسون على المنصة من المعلقين على هذا الكتاب، فقد قدم كل واحد منهم محاضرة تعتبر فصلاً جديداً يضاف إلى هذا الكتاب، وحتماً سترهق محمد ضياء الدين إذا قرر إنتاج طبعة جديدة من هذا العنوان.
أما مداخلات الحضور الذين تباروا في كيل المديح لمحمد، فقد استغلوا غيابه، لعله لو كان موجوداً لخشوا عليه من أن يُغشى عليه من الامتنان لهذا الوفاء، أو خشوا أن تكون كلماتهم أقل من قيمته عندهم، فاكتفوا بالصمت.
والأمر الذي يدعو للعجب أن الحضور تكريماً لأول إنتاج مكتوب لمحمد ضياء الدين لم يكونوا من أهل بيته ولا من أهل حزبه، بل تمثلوا في ألوان الطيف السياسي السوداني: حزب أمة، واتحادي، وبعثي، وشيوعي، وثوار، ولجان مقاومة، ومحامين، وكتاب، ومثقفين، وإعلاميين، وغيرهم من هواة القراءة والاطلاع، وعامة شعبنا السوداني المتطلع إلى الحرية والانعتاق عبر الاستنارة والفكر، وليس القهر وأفواه البنادق.
وأنا أكتب هذا الكلام، أقول إن محمد ضياء الدين من القيادات التي لم أجالسها أو أتواصل معها طيلة مسيرتي الصحفية، لكنني متتبع جيد لمسيرة حياته النضالية وعطائه الثر في سوح الكفاح.
فخرجت أكثر سعادة لأنه ما زال قادراً على العطاء، راسماً معالم الطريق لرفقاء الدرب. وأكثر سعادة بشعبي وبني جلدتي، وزادت ثقتي بهم، لأن «القارئ لا يُهزم».
فشكراً جميلاً…













