محمد مراد بدر منير .. يكتب .. سودان ما بعد الصراع: (حينما تبتلع اقتصاديات الحرب آفاق الحل السياسي).
إن المقترح الأمريكي الأخير الذي يقوده مستشار الرئيس ترامب للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، لا يمثل مجرد خارطة طريق سياسية لوقف إطلاق النار، بل هو محاولة صعبة لإعادة هيكلة المشهد

السبت ١١ يوليو ٢٠٢٦م
إن المقترح الأمريكي الأخير الذي يقوده مستشار الرئيس ترامب للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، لا يمثل مجرد خارطة طريق سياسية لوقف إطلاق النار، بل هو محاولة صعبة لإعادة هيكلة المشهد الاقتصادي والسياسي في السودان، وهو ما يفسر جزئياً حالة التحفظ التي أبدتها الحكومة السودانية. فمن منظور اقتصادي صرف، لم تعد الحرب في السودان مجرد اشتباك عسكري، بل تحولت إلى “اقتصاد نزاع” متكامل الأركان، يمتلك آليات تمويل ذاتي، وشبكات إمداد عابرة للحدود، وأدوات استثمارية تقتات على الفوضى. إن أي مقترح دولي يتجاهل هذه “البنية التحتية” للاقتصاد الحربي سيظل عاجزاً عن خلق حوافز كافية تدفع الأطراف المتصارعة للتخلي عن سلاحها، لأن السلام، في نظر هذه الأطراف، يعني خسارة السيطرة على مراكز استخراج وتصدير الموارد الحيوية، والموانئ، والمناطق الزراعية الاستراتيجية التي تمثل “شريان الحياة” لموازين القوى الراهنة.
تكمن العقدة الاقتصادية في أن الاستقطاب الإقليمي قد أوجد “مظلة حماية مالية” لكل طرف، حيث تقوم قوى إقليمية بدعم طرف على حساب الآخر بناءً على رؤى جيواقتصادية لمستقبل السودان. هذا الدعم لا يقتصر على العتاد العسكري، بل يمتد ليشمل مسارات تصدير غير رسمية وتسهيلات ائتمانية تضمن استمرار تدفق الموارد المالية الضرورية لإطالة أمد المواجهة. بالنسبة لهذه القوى، لا يُقاس النجاح باستقرار السودان، بل بمدى تأمين حصصها من “الكعكة الاقتصادية” في مرحلة ما بعد الحرب، سواء عبر عقود إعادة الإعمار أو امتيازات تعدينية. وهذا يجعل المبادرة الأمريكية في مواجهة معضلة “التنافس على غنائم النزاع”؛ حيث تُطالب الأطراف بالتنازل عن واقع ميداني يدر عوائد اقتصادية مباشرة، مقابل وعود بمستقبل سياسي غامض ومكبل بشروط الإصلاح الهيكلي.
علاوة على ذلك، أدى انهيار النظام المصرفي والمالي إلى تحول الاقتصاد نحو “السيولة النقدية غير المنظمة”، مما عزز نفوذ قادة الميدان على حساب المؤسسات المركزية. إن بنود المبادرة التي تدعو إلى مراقبة دولية لانسحاب القوات تمس بشكل مباشر الشبكات المالية التي تدير تهريب الموارد، وهو ما تراه الحكومة تهديداً لسيادتها المالية، بينما تراه قوات الدعم السريع تضييقاً على مواردها. وفي هذا السياق، يدرك الجميع أن القبول بالمقترح دون “ضمانات اقتصادية” تعوض خسائرهم الميدانية هو انتحار استراتيجي. فالحرب هنا تعمل كأداة لتراكم رأس المال للنخب العسكرية والسياسية، وأي مسار سلام حقيقي يجب أن يقدم حلاً لا يتوقف عند وقف إطلاق النار، بل يمتد ليشمل معالجة “الخلل الهيكلي” الذي جعل من السودان بيئة خصبة لاقتصاد الحرب.
المقترح الاستراتيجي: “صندوق الضمان السيادي ومسار الاندماج التجاري”.
لإخراج السودان من هذا المأزق، أقترح تأسيس (صندوق الضمان السيادي للسلام) مقترناً بمسار سريع للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية (WTO):
* الإدارة الدولية المشتركة للموارد: فرض رقابة تقنية ومالية دولية على عوائد الموارد الاستراتيجية (الذهب، النفط، الموانئ) خلال الفترة الانتقالية، مع تحويل تلك العوائد إلى الصندوق بدلاً من خزينتي أطراف الصراع، لتكون مخصصة حصراً لإعادة الإعمار والخدمات الأساسية.
* خارطة طريق “الانتقال الاقتصادي والWTO”: ربط المساعدات الدولية ببدء الإجراءات الفنية للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية. هذا الانضمام سيلزم الدولة السودانية بتبني معايير الشفافية الدولية، وتفكيك الاحتكارات القائمة، وفتح الأسواق للمنافسة العادلة، مما يقلص تدريجياً نفوذ “اقتصاديات الحرب” لصالح “اقتصاد السوق الشفاف”.
* إعادة الدمج الاقتصادي: تمويل برامج إعادة دمج التشكيلات المسلحة عبر استثمارات في قطاعات متوافقة مع اشتراطات التجارة العالمية، مما يحول هؤلاء المقاتلين إلى فاعلين اقتصاديين في سلاسل القيمة العالمية، بعيداً عن منطق النهب والسيطرة.
توصية الخبير الاقتصادي
بصفتي خبيراً اقتصادياً وماليا، أوصي بأن تتوقف المقاربات الدولية عن التعامل مع الأزمة السودانية كأزمة “حكم” فقط، والبدء في التعامل معها كأزمة “اقتصادية هيكلية”.
التوصية الجوهرية هي أن تتولى الولايات المتحدة بالتعاون مع المؤسسات المالية الدولية (البنك الدولي وصندوق النقد ومنظمة التجارة العالمية)، توفير “حزمة الحوافز الهيكلية”. إن الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية ليس مجرد خطوة دبلوماسية، بل هو “قيد إيجابي” سيجبر أي حكومة انتقالية على الامتثال لمعايير دولية صارمة تنهي سياسات الاستحواذ الميليشياوي على الموارد.
إن مفتاح السلام هو جعل “السودان المنفتح على التجارة الدولية” أكثر ربحية بكثير من “السودان الممزق بالحرب”؛ فاستعادة الدولة لكرسي القيادة المالية عبر البوابة التجارية الدولية هو السبيل الوحيد لإعادة بناء الثقة الوطنية والدولية، وهو ما سيجعل من السلام خياراً اقتصادياً حتمياً وليس مجرد خيار سياسي طوعي…
محمد مراد بدر منير
السبت ١١ يوليو ٢٠٢٦م
[email protected]













