اقتصاد

أبو عمر .. يكتب .. بعد إلغاء رخصة «العسجد»… هل نبني دولة الامتثال أم نهرب من الحقيقة ؟!

في هذه الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، يبرز سؤال لا يحتمل التأجيل: هل نحن بحاجة إلى مزيد من المعارك لتصفية الحسابات، أم أن الوقت قد حان لنضع أيدينا في أيدي بعضنا لبناء اقتصاد يحمي كرامة المواطن؟

 

 

 

في هذه الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، يبرز سؤال لا يحتمل التأجيل: هل نحن بحاجة إلى مزيد من المعارك لتصفية الحسابات، أم أن الوقت قد حان لنضع أيدينا في أيدي بعضنا لبناء اقتصاد يحمي كرامة المواطن؟
إن قرار إلغاء رخصة “العسجد” ليس نهاية المطاف، بل هو منعطف يفرض علينا طرح تساؤلات جوهرية. أليس هذا هو الوقت المناسب للانتقال من منطق “الضرب تحت الحزام” إلى منطق “العمل المؤسسي الشفاف” تحت مظلة وزارة الاتصالات والتحول الرقمي؟
عندما نتحدث عن شراء (200 كيلوغرام من الذهب) أو عن عمليات توريد النفط، فمن حق الجميع أن يتساءل: هل طُبقت معايير الشفافية والامتثال من الألف إلى الياء؟
فالعالم اليوم لا يعترف إلا بالعمليات التي تمر عبر مسارات واضحة ومتكاملة. أولها التحقق من هوية الأطراف (KYC/KYB)، فهل تم التأكد من هوية الجهة التي تم شراء الذهب منها؟ وثانيها التتبع الرقمي، فهل جرى تسجيل كل غرام من الذهب أو كل برميل نفط في نظام إلكتروني يضمن تتبع رحلته من المنجم أو البئر وحتى خزينة بنك السودان، بحيث يستحيل التلاعب به؟ أما ثالثها فهو التسوية المالية، فهل تمت عبر قنوات مصرفية دولية معتمدة، أم اكتُفي بإجراءات يدوية تنتهي بمجرد توقيع التصديق؟
السؤال الحقيقي هنا: هل كانت العملية مجرد توريد لـ(200 كيلوغرام من الذهب) وانتهى الأمر، أم أنها عملية مالية متكاملة تستوفي المعايير الدولية التي تمنح السودان ثقة العالم؟
وتبرز هنا معضلة أخرى تتعلق بعملة التسوية. هل سيُحوَّل مقابل الذهب والنفط إلى الدرهم الإماراتي وحده، أم إلى سلة من العملات الدولية عبر النظام المصرفي العالمي؟
إذا كان الاعتماد كلياً على الدرهم كقناة وحيدة، أفلا يفتح ذلك باب التساؤلات حول مدى الارتهان لمسار واحد؟ أما إذا تمت التسويات عبر منظومة المقاصة الدولية والبنوك العالمية المعتمدة، ألن يكون ذلك خطوة نحو استعادة مكانة الجنيه السوداني وتعزيز استقلال القرار الاقتصادي؟
إن الشفافية في اختيار عملة التسوية ليست مسألة فنية فحسب، بل هي معيار يكشف ما إذا كانت الأولوية لمصلحة السودان أم لاستمرار مصالح ضيقة تستفيد من واقع التبعية.
وفي المقابل، لماذا لا يتحول هذا الجدل إلى فرصة حقيقية للإصلاح؟ لماذا لا تقود وزارة الاتصالات والتحول الرقمي مشروع “المنصة المالية الوطنية الموحدة”، بحيث تُدمج خبرات EBS في الربط الحكومي مع الإمكانات المالية والتقنية لشركة “العسجد” وبقية البنوك في تطبيق وطني موحد (Super App)؟
مثل هذه المنظومة يمكن أن تجعل سداد الرسوم الحكومية، بما فيها إيصال (15)، يتم رقمياً بصورة مباشرة إلى خزينة الدولة، بما يحد من التعامل النقدي ويغلق أبواب التلاعب. كما أن تسجيل جميع العمليات المالية إلكترونياً سيعزز مستويات الشفافية والامتثال، ويدعم فرص الحصول على الاعتمادات والتراخيص الدولية، بما في ذلك متطلبات الامتثال التي تفتح أبواب التجارة مع العالم.
ويبقى السؤال الأخير موجهاً إلى القائمين على أمر الوزارة، وإلى شركاء القطاع المالي، وإلى جميع المختصين: ألا يحق للسودان أن يمتلك منظومة وطنية موحدة وملزمة، تنهي حالة العشوائية وتؤسس لاقتصاد رقمي حديث؟
هل سنختار أن نكون شركاء في نهضة تعيد للجنيه السوداني مكانته عبر الالتزام بالمعايير الدولية، أم سنظل أسرى لأجندات أصحاب المنافع الذين يقتاتون على الفوضى والشتات؟
الميدان مفتوح… والوطن لا ينتظر مزيداً من الجدل، بل ينتظر العمل، والشفافية، والامتثال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى