برلين تختبر العالم: هل تُفتح بوابة السلام في السودان؟
لا يُنظر إلى مؤتمر برلين بوصفه فعالية دبلوماسية تقليدية، بل باعتباره اختباراً حقيقياً لقدرة المجتمع الدولي على التدخل الفعّال قبل أن ينزلق السودان إلى انهيار أشمل. فالمؤتمر الذي دعت إليه الآلية الخماسية،

مؤتمر يتجاوز البروتوكول… واختبار لإرادة العالم
لا يُنظر إلى مؤتمر برلين بوصفه فعالية دبلوماسية تقليدية، بل باعتباره اختباراً حقيقياً لقدرة المجتمع الدولي على التدخل الفعّال قبل أن ينزلق السودان إلى انهيار أشمل. فالمؤتمر الذي دعت إليه الآلية الخماسية، بمشاركة قوى دولية وإقليمية واسعة، يعكس إدراكاً متزايداً بأن الأزمة السودانية تجاوزت حدودها الداخلية، وأصبحت تهديداً مباشراً لاستقرار الإقليم، سواء عبر موجات النزوح أو تداعيات الأمن الغذائي أو هشاشة دول الجوار.
ثلاثة مسارات… نحو مقاربة شاملة للأزمة
تسير أعمال المؤتمر عبر ثلاثة مسارات متوازية تشمل المسار السياسي، والمسار الإنساني، إلى جانب مسار مدني سوداني، في محاولة لطرح مقاربة شاملة تعالج جذور الأزمة، لا مظاهرها فقط. فالحرب والجوع والسياسة ليست ملفات منفصلة، بل أزمات متشابكة لا يمكن تفكيكها إلا برؤية متكاملة.
“صمود”: وقف الحرب هو المدخل الوحيد للحل
في هذا السياق، أعلن تحالف “صمود” دعمه للمؤتمر، مؤكداً أن أي اختراق حقيقي يبدأ بوقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار، مع آليات رقابة تضمن الالتزام وتمنع انهيار الهدنة. كما شدد على ضرورة فتح الممرات الإنسانية دون قيود، وضمان وصول المساعدات إلى جميع المتضررين، وربط ذلك بمسار سياسي جاد يقود إلى إنهاء الحرب ومعالجة أسبابها العميقة.
ويرى التحالف أن استمرار الرهان على الحل العسكري لم يعد سوى وصفة لإطالة أمد الكارثة، مؤكداً أن مستقبل السودان يجب أن يُصاغ عبر انتقال مدني ديمقراطي يعيد السلطة إلى مؤسسات الحكم المدني، وينهي عقود الهيمنة العسكرية.
طه عثمان: معيار النجاح هو ما يحدث على الأرض
وفي إفادة تعكس طبيعة التحدي، أوضح طه عثمان إسحق، عضو وفد “صمود”، أن أهمية مؤتمر برلين لا تكمن في حجم المشاركة أو كثافة التصريحات، بل في قدرته على إحداث تغيير ملموس على الأرض، خاصة في ما يتعلق بوقف الكارثة الإنسانية وفتح ممرات آمنة لوصول المساعدات.
حمدوك: لا نصر عسكرياً… والحل في المسار المدني
ومن خارج قاعات المؤتمر، أضاف رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك بعداً سياسياً مهماً للنقاش، حين أكد أن السودان لا يزال يمتلك فرصة للخروج من أزمته، شريطة توافر إرادة حقيقية، محلياً ودولياً. وأشار إلى أن التجربة أثبتت استحالة الحسم العسكري، وأن أي طرف يراهن عليه إنما يراهن على استمرار الدمار.
ودعا حمدوك إلى وقف فوري لإطلاق النار، وحماية المدنيين، وإطلاق عملية سياسية بقيادة مدنية تتيح للسودانيين تقرير مستقبلهم بعيداً عن سطوة السلاح. وهو طرح ينسجم إلى حد كبير مع المزاج العام للسودانيين، الذين أنهكتهم الحرب، ولم يعودوا يطلبون أكثر من الحد الأدنى للحياة: الأمان، الغذاء، العلاج، وفرصة للعيش بكرامة.
أكبر كارثة إنسانية في العالم
وفي ظل هذه التطورات، تصف الأمم المتحدة الوضع في السودان بأنه أكبر مأساة إنسانية في العالم حالياً، مع ملايين المحتاجين للمساعدات، وتفاقم مستويات الجوع والنزوح. وهو ما يجعل من أي تأخير في الوصول إلى حلول حقيقية بمثابة تفاقم مباشر للكارثة.
لحظة فاصلة: نافذة سلام أم استمرار النزيف؟
وبين رهانات السياسة وضغوط الواقع الإنساني، تقف برلين أمام لحظة فاصلة. فالسودانيون لا ينتظرون بيانات ختامية بقدر ما ينتظرون نتائج حقيقية: صمت البنادق، عودة النازحين، فتح الطرق، واستعادة السياسة من قبضة الحرب.
إما أن ينجح المؤتمر في فتح نافذة جدية نحو السلام، أو ينضم إلى سجل طويل من المبادرات التي لامست الأزمة، ثم تركتها تنزف.













