تقارير

البرهان في مواجهة واشنطن : خيارات محدودة وتحالفات مكلفة

رئيس مجلس السيادة مُطالب أميركياً بتفكيك التحالف مع الإسلاميين الذين يحذرونه من التخلي عنهم ولا خروج من ذلك المأزق سوى تغيير التوازنات الداخلية بعودة قيادات القوى السياسية مع توفير حماية سياسية وأمنية

 

 

 

القاهرة : أماني الطويل

 

 

 

 

    رئيس مجلس السيادة مُطالب أميركياً بتفكيك التحالف مع الإسلاميين الذين يحذرونه من التخلي عنهم ولا خروج من ذلك المأزق سوى تغيير التوازنات الداخلية بعودة قيادات القوى السياسية مع توفير حماية سياسية وأمنية

تبلورت معادلات واشنطن التي انتقلت من موقف يميّز بين الجيش وحلفائه الإسلاميين إلى موقف يضع الجميع في دائرة المساءلة، وهذه رسالة موجهة للبرهان: واشنطن جاهزة للانخراط معه في مسار سلام، لكنها لن تغض الطرف عن تحالفاته مع جماعة صنفتها إرهابية

بعد تصنيف القوات المقاتلة إلى جانب الجيش السوداني “جماعات إرهابية” يجد الفريق عبدالفتاح البرهان نفسه أمام معادلة عسكرية وسياسية بالغة التعقيد، ذلك أن التحالف مع الإسلاميين لم يكن خياراً أيديولوجياً في المقام الأول، بل كان ضرورة عملية ناشئة عن افتقاد القوات المسلحة السودانية النظامية سلاح المشاة، وكذلك استنزاف المؤسسة على مدار عقود، وتآكل بنيتها التنظيمية في ظل نظام البشير الذي أحجم عن بناء جيش مؤسسي متماسك حتى لا يواجه انقلاباً ضد نظام حكمه.

الورطة الأميركية ذاتها واضحة: واشنطن لا تستطيع تجاهل أن البرهان هو الطرف الذي يتفاوض معه مبعوثها مسعد بولس على مسائل وقف إطلاق النار وإجراءات بناء السلام، غير أن البرهان بدوره لا يمكنه الاستغناء عن الإسلاميين دون أن يفقد جيشه جزءاً جوهرياً من قدرته القتالية في مرحلة الحرب. هذه المعادلة تصف بدقة طبيعة القيد المتبادل الذي يربط الطرفين، وتفسّر لماذا جاء التصنيف الأميركي حاداً في لغته لكنه يُبقي الباب مفتوحاً في جوهره.

في هذا السياق فإن الحركة الإسلامية ذاتها باتت توصم البرهان بالانتماء إليها، وتتهم قائد الجيش بالضعف وعدم الالتزام بحماية مصالحها، وإقرار بعض قياداتها بتغلغلهم في مؤسسة الجيش حتى داخل مكتب البرهان يمثل نوعاً من الضغط والتحذير في آن واحد. البرهان إذن محاصر من الجهتين: واشنطن تطالبه بتفكيك التحالف مع الإسلاميين، والإسلاميون يحذرونه من التخلي عنهم.

وعلى نحو موازٍ، فإن نفي البرهان الادعاءات الأميركية حول وجود نفوذ الإخوان المسلمين داخل الجيش، واصفاً هذه الرواية بأنها تكتيك تخويفي يُستخدم للتأثير في الرأي العام الأميركي والسعودي والمصري، ومؤكداً أنها غير صحيحة ومحض افتراء، ومشدداً على أن المؤسسة العسكرية قادرة على إصلاح نفسها وإعادة هيكلتها دون تدخل خارجي.

هذه التصريحات تكشف عن استراتيجية خطاب ترتكز على ثلاثة محاور: أولاً، إنكار وجود اختراق إسلامي مؤسسي للجيش، وهو إنكار يصعب تصديقه، استناداً إلى المعطيات الميدانية والاستخباراتية المتاحة. ثانياً، تأطير الضغط الأميركي بوصفه انعكاساً للوبي “الدعم السريع” في واشنطن، وهو توصيف يوفر غطاءً شعبياً محلياً لكنه لا يغير حجم الضغط الفعلي. ثالثاً، تعويم الإطار الإقليمي السعودي مساراً بديلاً للمسار الأميركي، مستثمراً العلاقة التي نسجها الفريق البرهان بولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

وهكذا، تبلورت معادلات واشنطن التي انتقلت من موقف يميّز بين الجيش وحلفائه الإسلاميين إلى موقف يضع الجميع في دائرة المساءلة، وهذه رسالة موجهة للبرهان: واشنطن جاهزة للانخراط معه في مسار سلام، لكنها لن تغض الطرف عن تحالفاته مع جماعة صنفتها إرهابية.

في هذا السياق، لا بد من توضيح أن الفارق النوعي بين عقوبات سبتمبر (أيلول) 2025 وتصنيف مارس (آذار) 2026 يكمن في طبيعة الأثر القانوني: التصنيف كـمنظمة إرهابية أجنبية يفرض قيوداً أكثر صرامة تشمل تجميد الأصول وحظر التعاملات المالية، وسيمتد أثره حتماً إلى النظام المصرفي السوداني، مما يطرح تساؤلات جدية حول قدرة السودان على الإبقاء على صلاته بالشرايين المالية العالمية. وهذا ما يجعل الضغط الأميركي ليس ضغطاً سياسياً دبلوماسياً تقليدياً، بل يجعله ضغطاً يمسّ القدرة على تمويل الحرب ذاتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى