محمد بشير محمد مصطفى .. يكتب .. جامعة الخرطوم بين الاستقالة والبيان: حين تصبح الشهادة “أمنًا قوميًّا” !
في الأزمنة العادية تُدار الخلافات الإدارية داخل الغرف المغلقة، وتُحسم في مجالس الجامعة ولجانها المختصة. لكن حين تضيق الخيارات

في الأزمنة العادية تُدار الخلافات الإدارية داخل الغرف المغلقة، وتُحسم في مجالس الجامعة ولجانها المختصة. لكن حين تضيق الخيارات وتختلط الحدود بين “المؤسسي” و”الافتراضي”، تتحول الاستقالة من فعلٍ إداري إلى حدثٍ عام؛ وتتحول المنشورات إلى محاكمات سريعة، وتصبح سمعة جامعة وطنية عريقة موضوعًا مفتوحًا أمام الرأي العام.
ما حدث بين استقالة أمين الشؤون العلمية بجامعة الخرطوم والبيان الصادر عن إدارة الإعلام والعلاقات العامة ليس مجرد سجال حول منصب؛ بل هو امتحانٌ حقيقي لقدرة المؤسسة على حماية “أقدس ما تملك”: السجل الأكاديمي؛ ذلك المخزون الذي يختصر تاريخ الطلاب والخريجين، ويحدد مصيرهم المهني، ويحمل توقيع الجامعة المعنوي قبل ختمها الرسمي.
أولاً: خطورة الاتهام… وخطورة التعميم
أورد المستقيل ثلاث نقاط ثقيلة الظلال: طرف ثالث غير مشروع وصل للسجل، تراجع عن التحول الرقمي وإيقاف الشهادات الإلكترونية، وصمت عن محاولة تزوير شهادات أكاديمية. هذه ليست عبارات عابرة، لأنها تمس جوهر الثقة: “هل الشهادة آمنة؟ هل السجل محمي؟ هل الجامعة تقاوم التلاعب أم تتستر؟”
لكن بيان الجامعة—من جهته—حاول أن يسحب الملف من منطق الاتهام العام إلى منطق الوقائع:
يقول إن ما يقارب عشرة آلاف شهادة صدرت خلال فترة شغل الأمين لمنصبه دون إثبات تزوير.
ويؤكد أن الجامعة عبر تاريخها الطويل لم تُعرف عنها اتهامات تزوير بسبب صرامة الإجراءات.
ويشير إلى وجود خلط بين “استخراج الشهادة” و”التحقق منها”، وأن لكل مهمة جهة واختصاص.
ويعلن تشكيل لجان للتحقق منذ سبتمبر 2025 ثم لجنة أخرى في ديسمبر 2025، وما زالت تعمل.
هنا نصل إلى قلب الأزمة: المجتمع لا يقرأ التفاصيل الإجرائية، بل يلتقط الانطباع. وفي قضايا السجلات والشهادات، الانطباع وحده قادر على إرباك آلاف الأسر وسوق العمل والمؤسسات. لذلك، لا يكفي القول “لم يثبت تزوير”، كما لا يكفي إطلاق عبارة “طرف ثالث” بلا تعريف. كلاهما يفتح الباب للشك، من جهتين مختلفتين.
ثانيًا: التمييز بين “الاستخراج” و”التحقق” ليس ترفًا
الجامعة محقّة—من حيث المبدأ—عندما تفرّق بين إصدار الشهادة والتحقق منها.
الاستخراج عملية داخلية تبدأ من الأقسام والكليات وتنتهي بتوقيع الأمين وختم الجامعة.
التحقق إجراء خارجي غالبًا، تبدأه جهة توظيف أو جهة اعتماد للتأكد من صحة الشهادة وبياناتها.
لكن هذا التمييز—على أهميته—لا يلغي السؤال الأهم:
إذا كان الحديث يدور عن محاولة تزوير أو وصول غير مشروع للسجل، فالمعركة ليست في “ورقة الشهادة” وحدها؛ بل في “البنية التي تنتج الشهادة” و”النظام الذي يحمي بياناتها”. أي أن القضية تنتقل من خطأ أفراد إلى حوكمة مؤسسة: من يملك صلاحيات الدخول؟ كيف تُراقَب الصلاحيات؟ هل هناك سجلات تدقيق (Logs)؟ هل توجد آليات إنذار مبكر؟ وهل هناك فصل واضح بين من يُدخل البيانات ومن يعتمدها؟
هذه الأسئلة لا تُحل بإشارات عامة، بل بإجراءات معلنة—قدر الإمكان—تطمئن الناس دون كشف أسرار الأمن المعلوماتي.
ثالثًا: “الطرف الثالث”.. كلمة واحدة قد تُسقط سمعة مؤسسة
ذكر “طرف ثالث غير مشروع” دون تحديد: هل هو جهة تقنية؟ شركة وسيطة؟ موظف؟ اختراق إلكتروني؟ سماسرة شهادات؟
هذه العبارة، كما قال بيان الجامعة، ألقت بظلال سالبة على منسوبي الجامعة وخريجيها، لأنها توحي بأن هناك اختراقًا أو تهاونًا أو شبهة تستر.
في المقابل، على صاحب الادعاء أن يدرك أن الغموض لا يحميه دائمًا؛ بل قد يحوّله من مُبلّغٍ عن خطر إلى مُطلق اتهام. وعلى الجامعة كذلك أن تدرك أن الاكتفاء بنفيٍ عام قد يخلق انطباعًا آخر: أن المؤسسة لا تريد شرح ما يحدث.
المطلوب هنا ليس “فضح الأشخاص” في الإعلام، بل توضيح منهجي: هل كان هناك اشتباه دخول غير مصرح به؟ كيف اكتُشف؟ ما نطاقه؟ وما هي الإجراءات التصحيحية؟ هذه الأسئلة يمكن الإجابة عنها بصيغة تحفظ التحقيق ولا تذعر المجتمع.
رابعًا: التحول الرقمي ليس مشروعًا… بل “ضرورة بقاء”
إيقاف الشهادات الإلكترونية أو التراجع عن مسار التحول الرقمي—إن صح—ليس خلافًا تقنيًا، بل قرارًا له تبعات اجتماعية واقتصادية، خصوصًا في ظروف الحرب والتشظي الإداري والنزوح وصعوبة الوصول إلى الحرم الجامعي.
التحول الرقمي في جامعات اليوم ليس رفاهية “حداثة”، بل ضمانة لاستمرارية التعليم وحفظ الحقوق وتقليل العبث بالوثائق. ومع ذلك، التحول الرقمي نفسه قد يصبح خطرًا إذا لم يقم على أمن سيبراني صارم وحوكمة صلاحيات وتدقيق وصول.
لذلك، يجب أن يُطرح السؤال بشكل صحيح:
ليس “هل نوقف الرقمية أم نستمر؟”
بل: كيف نُكمل الرقمية ونرفع التحصين؟ وكيف نمنع أن تتحول التقنية إلى ثغرة؟
خامسًا: اللجان وحدها لا تكفي… ما لم تُدعَّم بالشفافية المحسوبة
تشكيل لجان للتحقق خطوة ضرورية، لكن الرأي العام يحتاج إلى ما هو أكثر من “هناك لجنة تعمل”. يحتاج إلى:
إطار زمني تقريبي لإنجاز المهمة.
تعريف نطاق المراجعة (أي سنوات؟ أي دفعات؟ أي أنواع شهادات؟).
آلية إبلاغ الخريجين إن كانت هناك شهادات محل مراجعة دون تعميم يسيء للجميع.
قناة رسمية للتواصل والاستفسار، بدل أن يصبح فيسبوك المصدر الوحيد للمعلومة.
والأهم: أن تُدار هذه القضية باعتبارها “حماية حقوق”، لا باعتبارها “صراع سمعة”. لأن الجامعة حين تدافع عن سمعتها عبر الشفافية المنضبطة، تزداد ثقة الناس. أما حين تُفهم المعركة باعتبارها خصومة بين إدارة ومستقيل، فإن الطرف الخاسر هو الخريج قبل الإدارة.
أخيرًا: هذه معركة دولة… وليست معركة منشور
بيان الجامعة ختم بأن حماية بيانات الخريجين والطلاب من صميم الأمن القومي، وهو توصيف في محله. لأن السجل الأكاديمي ليس ملفات ورقية فقط، بل هو بوابة الوظائف والهجرة والمنح والترقيات، وأي عبث به يعني عبثًا بمستقبل الناس وسمعة الدولة.
لهذا فإن الحكمة تقتضي:
أن تُدار التحقيقات بمهنية قانونية وتقنية.
وأن تكون الرسائل الإعلامية هادئة وواضحة.
وأن تُغلق أبواب التسريبات والغمز واللمز.
وأن يُمنح المجتمع حقه في الطمأنة دون الإضرار بسير التحقيق.
جامعة الخرطوم أكبر من أن تُختزل في منشور، وأكبر من أن تُدار سمعتها بردود أفعال. هي رمز وطني، ومتى ما اهتز الرمز اهتزت الثقة في التعليم كله. بين استقالة الأمين وبيان الجامعة فرصة لإعادة بناء منظومة أكثر صرامة، وأكثر شفافية، وأكثر تحصينًا… حتى لا تصبح الشهادة ورقةً يتلاعب بها الطامعون، ولا يصبح الخريج ضحية صراعٍ لا يد له فيه.










