نساء في زمن النزوح: كيف تعيد النساء بناء الحياة وسط الفقد؟
في زمنٍ تتكاثر فيه الخسارات وتضيق مساحات الأمان، لا تقف نساء السودان عند حدود الفقد، بل يُحوِّلن الألم إلى فعل حياة. ففي أماكن النزوح المؤقتة، حيث تتشابه الخيام والبيوت المستأجرة وتغيب ملامح الاستقرار، وجدت آلاف النساء أنفسهن في مواجهة مباشرة مع

الخرطوم – امتثال عبدالفضيل
في زمنٍ تتكاثر فيه الخسارات وتضيق مساحات الأمان، لا تقف نساء السودان عند حدود الفقد، بل يُحوِّلن الألم إلى فعل حياة. ففي أماكن النزوح المؤقتة، حيث تتشابه الخيام والبيوت المستأجرة وتغيب ملامح الاستقرار، وجدت آلاف النساء أنفسهن في مواجهة مباشرة مع مسؤوليات جديدة فرضتها الحرب؛ مسؤوليات لا تمنحهن خيار الانهيار، بل تفرض عليهن إعادة بناء الحياة من الصفر، وصناعة الأمل من قلب المعاناة.
تقول أم أحمد، وهي نازحة وأم لخمسة أطفال:
> «عندما فقدت زوجي في بداية الحرب، شعرت أن الحياة توقفت، لكن أطفالي لم يمنحوني وقتًا للحزن. كان عليّ أن أكون الأم والأب معًا».
أدوار تتغير ومسؤوليات تتضاعف
غيّرت الحرب أدوار النساء بشكل جذري. فبعد أن كانت كثيرات يعتمدن على دخل الأسرة المشترك، أصبحن اليوم المعيل الوحيد، والمسؤولة عن توفير الغذاء والتعليم والرعاية الصحية، إلى جانب الدعم النفسي للأطفال. هذا التحول القسري وضع النساء أمام تحديات اقتصادية واجتماعية قاسية، في ظل فرص عمل محدودة وارتفاع كبير في تكاليف المعيشة.
تقول سارة عثمان، شابة نزحت مع أسرتها:
> «كنت طالبة جامعية. اليوم أعمل في أي فرصة أجدها، فقط حتى لا نشعر بالعجز».
من دارفور إلى الولاية الشمالية: نزوح مضاعف
شكّل نزوح النساء من إقليم دارفور إلى الولاية الشمالية فصلًا آخر من المعاناة. فالمسافات الطويلة، واختلاف البيئة، وغياب الروابط الاجتماعية، جعلت النزوح أكثر قسوة. كثير من النساء وصلن بعد رحلات شاقة فقدن خلالها أفرادًا من أسرهن أو مصادر رزقهن.
تقول مريم ذكريات، نازحة من دارفور وتقيم حاليًا في الولاية الشمالية:
> «خرجنا بلا شيء. تركنا بيوتنا وكل حياتنا خلفنا. هنا الناس طيبون، لكن الغربة صعبة، وكل شيء مختلف».
وتواجه النساء القادمات من دارفور صعوبات إضافية، أبرزها صعوبة الاندماج وندرة فرص العمل، إلى جانب ارتفاع الإيجارات ونقص المساعدات. كما تتحمل النساء عبء حماية أطفالهن من آثار الصدمة، في ظل غياب الخدمات النفسية المتخصصة.
تقول فاطمة يعقوب، نازحة من دارفور وأم لثلاثة أطفال:
> «أصعب ما نعيشه ليس الجوع فقط، بل الإحساس بأننا بدأنا من الصفر مرة أخرى. أحاول أن أبدو قوية أمام أطفالي، لكن في داخلي خوف كبير من الغد».
الفقد كحقيقة يومية
تحمل معظم النساء قصص فقد موجعة: فقدان الزوج، أو أحد الأبناء، أو البيت الذي كان يمثل الأمان والذاكرة. ومع ذلك، تحاول كثيرات التكيف مع هذا الواقع الجديد، رغم أن الحنين للماضي لا يفارقهن.
توضح خديجة بابكر، نازحة:
> «أكثر ما يؤلمني أن أطفالي يسألونني: متى نعود؟ ولا أملك إجابة».
ورغم مظاهر الصمود، تعاني النساء ضغوطًا نفسية كبيرة؛ فالخوف المستمر، والقلق على المستقبل، والإرهاق الناتج عن المسؤوليات المتراكمة، عوامل تؤثر في صحتهن النفسية. إلا أن كثيرات يفضلن الصمت ويؤجلن الاهتمام بأنفسهن من أجل أسرهن.
تقول حواء عيسى (أم المقداد):
> «نتعب كثيرًا، لكن لا وقت للشكوى. يجب أن نستمر».
وتضيف نازحة أخرى متمنيةً نهاية لهذه المعاناة:
> «أتمنى أن يعمّ الأمن والاستقرار، وأن نرجع إلى بيوتنا سالمين».
قوة تُصنع من الألم
في زمن النزوح، أعادت النساء تعريف القوة. لم تعد حكرًا على الصلابة فقط، بل باتت تتجلى في القدرة على النهوض كل صباح وصناعة الأمل من تفاصيل بسيطة، رغم الخسارات المتراكمة.
خلاصة
تكشف قصص النساء—ولا سيما النازحات من دارفور إلى الولاية الشمالية—عن وجه إنساني عميق للحرب. فبين الغربة والفقد، تواصل النساء إعادة بناء الحياة خطوة بخطوة، بإرادة لا تنكسر وأمل يرفض الغياب.













