تقارير

كينيا… بلد المؤسسات الذى فتح أبوابه للسودانيين الفارين من الحرب وتقدير خاص للرئيس وليام روتو لمواقفه الداعمة لقضية السودان

 

 

تقرير : صديق الدخرى

 

 

 

   منذ اندلاع الحرب فى السودان، وجد آلاف السودانيين أنفسهم أمام واقع بالغ القسوة، واقع لم يبقى لهم موطئ قدم داخل وطنهم الذى اختنق برائحة البارود وتهاوت فيه ملامح الدولة. وبينما ضاقت المدن السودانية بأهلها، وارتفعت كلفة الأمان إلى مستويات مستحيلة، كانت (كينيا) بلد التاريخ العريق، بلد (جومى كينياتا) تفتح أبوابها على مصراعيها، وتقدم نموذجا متقدما لدولة تقف مع الإنسان أولا قبل أن تنظر إلى هويته أو انتمائه أو اصطفافه السياسى.
(كينيا)، هذا البلد الذى بنى مسيرته الحديثة على قيم التسامح والتعايش وسيادة القانون، تحول فى الأشهر الماضية إلى ملاذ حقيقى للسودانيين، وبلد بديل احتضنهم فى محنتهم كما لو كانوا جزءا أصيلا من نسيجه. لم تكتفى (كينيا) باستقبال موجات اللاجئين والمقيمين، بل قدمت لهم نموذجا لكيف يمكن للدولة أن تكون حاضنة، عادلة، وقادرة على استيعاب التنوع بلا خوف أو تصنيف.

روتو : صوت واضح فى دعم السودان وإسكات السلاح:

الرئيس وليام روتو لم يكن يوما بعيدا عن مشهد السودان وتطوراته المعقدة. تابع الحرب منذ لحظاتها الأولى، وتحدث بشجاعة عن ضرورة إسكات صوت السلاح. شاهدناه فى أكثر من موقف يطالب المجتمع الدولى بالتدخل العاجل لإيقاف نزيف الدم، بل سمعناه يخاطب الرئيس الأمريكى دونالد ترامب داعيا إلى لعب دور مؤثر ينهى الحرب ويعيد السودان إلى طريق الاستقرار.
هذا الموقف لم يكن مجرد خطاب سياسى، بل جاء متسقا مع خطوات عملية اتخذتها حكومته تجاه السودانيين على الأرض. لم تغلق كينيا أبوابها، ولم تضيق الخناق، بل تعاملت مع السودانيين بإعتبارهم ضيوفا يستحقون الاحترام والرعاية. هذا هو عهد كينيا كما عرفناه، وهذا ما لمسناه وعايشناه بالفعل.

إجراءات دخول ميسرة… ودولة تحترم القادم إليها:

أكثر ما يلفت السودانيين فى كينيا هو سهولة إجراءات الدخول. ففى الوقت الذى اتخذت فيه دول أخرى سياسات صارمة تجاه السودانيين تصل أحيانا إلى التعقيد المتعمد كانت كينيا تتعامل معهم بقدر كبير من التسهيل والمرونة. أعفتهم من رسوم تجديد الفيزا، وقدمت لهم إجراءات دخول واضحة وغير مرهقة، وفتحت أمامهم إمكانية الحصول على إقامات بطريقة منظمة ومباشرة.
هذا التعامل لم يكن استثناءً ولا منة، بل سياسة دولة تدرك معنى الإنسانية فى لحظات الانهيار. هكذا بدت كينيا، وهكذا تعاملت مع السودانيين: بلا لون، بلا تصنيف، بلا سؤال عن الانتماءات. لا “دعّامى” ولا “قحاتى”، لا موالى ولا معارض. فقط “سودانى”… وهذا وحده كان كافيا ليجد الأشخاص من كل مناطق السودان مكانا آمنا يلتقطون فيه أنفاسهم بعيدًا عن الحرب.

نيروبى… مدينة احتضنت السودانيين أكثر مما احتضنتهم مدنهم:

فى شوارع نيروبى وأحيائها وأسواقها ومقاهيها، تجد كل ألوان السودانيين: من دارفور إلى الشرق، من الشمال إلى الخرطوم والجزيرة وكردفان. أفراد وجماعات، أسر هاربة من جحيم الحرب، وشباب يبحثون عن فرصة جديدة، وصحفيون وناشطون وطلاب وتجار… كلهم وجدوا فى كينيا ما لم يجدوه فى وطنهم المنهك.
اللافت أن السودانيين يعيشون هنا بقدر كبير من الكرامة والاحترام. الدولة ومؤسساتها تتعامل معهم بوضوح: القانون فوق الجميع ولا أحد يعتدى عليه بسبب رأيه أو انتمائه. “البلابسة” يعملون، و”الكيزان” يعملون، و”الدعامة” يعملون، والقوى المدنية المناهضة للحرب تعمل، وعامة الناس يمارسون حياتهم دون خوف أو مطاردة. هذه الكيانات الواسعة بتناقضاتها وتوجهاتها استطاعت أن تجد مكانا واحدا تتعايش فيه، ليس لأن السودانيين تغيروا فجأة، بل لأن كينيا دولة مؤسسات وقانون لا تسمح لأحد أن يبطش بآخر مهما اختلف معه.

فرص عمل… وتعليم وصحة متاحة للجميع:

لم تتوقف كينيا عند حدود استقبال السودانيين وتأمين إقامتهم، بل قدمت لهم بيئة تمكنهم من العمل والاستقرار. كثير من السودانيين دخلوا فى مشاريع صغيرة وتجارة وأنشطة اقتصادية متنوعة، واستطاعوا خلال فترة قصيرة أن يندمجوا فى السوق بشكل طبيعى وميسر. الدولة لم تقف فى طريقهم، بل ساعدتهم على تأسيس أعمالهم وفق قوانين واضحة لا ترهق ولا تقصى.
أما التعليم والصحة ، وهما أهم ما يحتاجه أى لاجئ فقد قدمت فيهما كينيا نموذجا محترما. المدارس فتحت أبوابها، المستشفيات استقبلت المرضى، والجامعات منحت فرصا لمن أراد متابعة تعليمه. هذه الخدمات لم تقدّم بمنطق “التمييز” ولا “التعالى”، بل باعتبار أن البشر أينما كانوا يستحقون حياة كريمة.

كينيا… بلد يستحق التحية:

الحقيقة أن ما قامت به كينيا ليس فعلا عابرا. إنه موقف إنسانى وسياسى وأخلاقى كبير. بلد ظل فى خندق العدل، ووقف مع من ضاقت بهم الأرض فى وطنهم. بلد بنى مكانته على احترام الإنسان، وأثبت أن مؤسسات الدولة يمكن أن تكون ملاذا عادلا حتى لمن لم يولد على أرضها.
نقولها بلا مجاملة: كينيا قدمت نموذجا إفريقيا وعربيا يستحق الإشادة. ووليام روتو يستحق كلمة تقدير صادقة لمواقفه الداعمة للسودان وشعبه. والسودانيون بدورهم وجدوا هنا وطنا ثانيا يأمنون فيه على أنفسهم، ويبدأون منه حياة جديدة بكرامة واحترام.
هذا بلد يستحق أن نكتب عنه وأن نشكره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى