تقارير

أطفال الحرب في أسواق نيالا: أحلام مؤجلة بين قسوة الواقع وضياع المستقبل

في أزقة السوق الشعبي بمدينة نيالا، تختلط أصوات الباعة بروائح العطور والزيوت وبخار الشاي والقهوة، لكن خلف هذا الصخب تختبئ حكايات قاسية لأطفال

 

 

 

نيالا – تقرير مهاد محمد خير

 

 

 

 

 

     في أزقة السوق الشعبي بمدينة نيالا، تختلط أصوات الباعة بروائح العطور والزيوت وبخار الشاي والقهوة، لكن خلف هذا الصخب تختبئ حكايات قاسية لأطفال كان يفترض أن يكونوا بين صفوف الدراسة، لا بين أزقة السوق. الحرب التي اندلعت في أبريل 2023م، قلبت حياتهم رأساً على عقب، ودفعتهم للعمل المبكر بحثاً عن لقمة العيش وسط ظروف اقتصادية واجتماعية خانقة.

 

 

 

معتز.. بائع العطور الصغيرة وأحلام كبيرة

 

 

 

 

معتز، 11 عاماً، يبيع العطور الزيتية وبعض عيدان “الند” في السوق. ترك مقاعد الدراسة منذ الصف الخامس الابتدائي بسبب الحرب وضيق الحال بعد أن غادر والده المدينة في أواخر 2023م وتركه مع والدته وشقيقه.
يقول بحزن: “كنت عايز أواصل دراستي، لكن الظروف ما سمحت. الحرب ضيعت كل شيء…” دخله اليومي يتراوح ما بين 10 – 15 ألف جنيه، بالكاد يكفي للمواصلات والفطور. يتنهد معتز قائلاً: “لو ما في حرب كنت وصلت الثانوي… لكن ما عندي بديل غير الشغل.”

مصطفى.. طفل “الأورنيش”

مصطفى محمد (13 عاماً) جاء نازحاً مع أسرته من خمس أفراد إلى نيالا نهاية 2024م. لم يدخل مدرسة قط، لكنه يدرس في خلوة لحفظ القرآن صباحاً قبل أن يتجول في السوق بعمل “الأورنيش”.
يقول: “بقرأ في الخلوة من 7 لحدي 10 الصباح، بعد داك بمشي السوق… بدخل يومياً من 2 – 3 ألف جنيه، لكن المواصلات غالية… بركب التكتك عشان أرخص.”
ورغم قسوة يومه، فإن حلمه أن يختم القرآن الكريم.

مودة.. صرخة طفلة فقدت مقعدها الدراسي

بصوت يختنق بالدموع قالت مودة أحمد (14 عاماً): “صحباتي كلهم دخلوا الثانوي إلا أنا…”
كانت في الصف التاسع عندما اندلعت الحرب، لكن والدها فقد عمله في معصرة زيوت، فعجز عن دفع الرسوم. اضطرت لمغادرة المدرسة لعامين، ثم عادت مؤخراً بفضل إصرارها على العمل في بيع “القورو” والترمس.
تكسب ما بين 3 – 4 آلاف جنيه يومياً، تصرفها على مصاريفها المدرسية: “أنا مصرة أواصل قرايتي وألحق صحباتي… حتى لو اشتغلت صباح ومساء.”

مزن.. بين صينية الشاي وأمل العودة للمدرسة

مزن إدريس (13 عاماً) تجلس مع والدتها الحاجة “آمنة” وسط لهيب السوق لبيع الشاي والقهوة. تركت المدرسة في الصف السابع بعد أن عجزت أسرتها عن توفير تكاليف التعليم.
تقول: “عندي ستة إخوات وأخوان… بساعد أمي لحدي تتحسن الظروف. عمي سجّلني في المدرسة السنة دي… الصبح بقرأ، وبعد المدرسة بمشي السوق أساعد أمي.”
كانت ابتسامتها عريضة وهي تحكي عن فرحتها بقرب العودة لمقاعد الدراسة.

أطفال آخرون… قصص متشابهة

أبوبكر هارون (12 عاماً): يعمل بائعاً متجولاً، يقول: “الحرب أجبرتنا… الوضع صعب والبيع ضعيف… تركت المدرسة وما قادر أرجع.”

عثمان إبراهيم (11 عاماً): يبيع الأكياس بالسوق بعد وفاة والده: “أشتغل أنا وأخوي عشان نأكل أهلنا.”

محمد صالح (12 عاماً): فقد والديه مع بداية الحرب، يعيش مع جدته ويقول: “الظروف خلتني متمسك بالشغل… المدرسة ما واردة.”

أمين (14 عاماً): يبيع الفواكه في السوق، لم يدرس إلا في “المسيد”، ويقول: “ما داير مدرسة… بس داير أكبر وأبقى تاجر كبير.”

أحمد عيسى (13 عاماً): يتجول بالدرداقة يبيع السكر والشاي واللبن، وقد غلبه اليأس: “حتى لو قريت… بعمل شنو؟”

صورة موجعة لجيل بلا تعليم

بين باعة العطور والزيوت، وصغار الأورنيش، وحاملي صواني الترمس والقورو، يتبدى مشهد مؤلم: أطفال في عمر الزهور يرزحون تحت ثقل مسؤوليات الكبار. معظمهم فقدوا مقاعد الدراسة، وآخرون يتمسكون بالخلوة بديلاً عن التعليم النظامي. أحلامهم معلقة بين أمل العودة للمدرسة، ورغيف يومي ينتزعونه من سوق لا يرحم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى