بورتسودان- نيالا .. غياب شرعية أم صراع هوية !
يبدو أن الحرب المشتعلة في السودان منذ ١٥ أبريل ٢٠٢٣م تجاوزت معطيات الواقع العسكري الميداني إلى مآلات أكثر تعقيدا وخطورة

تقرير : محمد محمد نور
يبدو أن الحرب المشتعلة في السودان منذ ١٥ أبريل ٢٠٢٣م تجاوزت معطيات الواقع العسكري الميداني إلى مآلات أكثر تعقيدا وخطورة على كيان الدولة الواحدة التي تعاني هشاشة غير مسبوقة في بنيتها الأمنية و الجغرافية و الاجتماعية والاقتصادية، وما يجعل هذا الواقع أكثر قتامة الإعلان الذي صدر من تحالف (تأسيس ) بنيالا في السادس والعشرين من شهر يوليو المنصرم عن تشكيل حكومة موازية للحكومة التي أتخذت من بورتسودان مقرا لها منذ بدايات اندلاع هذه الحرب .
نموذج آخر
.. حكومة بورتسودان التي يرى معارضوها أنها تقع تحت سيطرة حزب المؤتمر الوطني( المحلول) وقيادات الحركة الإسلامية حاولت منذ انقلابها (حسب توصيف هؤلاء المعارضين) على المدنيين في الخامس والعشرين من أكتوبر ٢٠٢١م حاولت أن تجد لها موطن شرعية على الصعيدين الإقليمي والدولي لاسيما بعد تجميد عضويتها داخل الاتحاد الأفريقي ، الآن ظهر رأس أخر داخل الدولة السودانية لينازع هذه الحكومة ذات الشرعية المنقوصة.. فهل يتجه السودان نحو النموذج اليمني أم الليبي أم أننا سنشهد نموذجا ثالثا للنزاع على الشرعية داخل المحيط العربي والافريقي.
بلا منازع
الحكومة السودانية في بورتسودان ترى أن لا أحد يمكنه منازعتها في شرعية الحكم استنادا إلى ما تصفه بالالتفاف الشعبي حولها في حربها ضد الدعم السريع بجانب استمرار علاقاتها الدبلوماسية مع دول العالم و تحركاتها الطبيعية داخل أروقة المؤسسات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة. في المقابل ما يسمى بحكومة نيالا الوليدة التي يشكل الدعم السريع عمودها الفقري ترى في نفسها ممثلا شرعيا للشعب السوداني وأنها تمتلك كل مقومات الحكومة المعتمدة استنادا إلى وجودها على الأرض وقدرتها على حماية المدنيين في مناطقها وتقديم الخدمات الأساسية لهم.
أرض وشعب
مؤيدو حكومة تأسيس يقولون إن الواقعية المعترف بها ضمن منظومة الأمم المتحدة تقوم على سلطة فعلية قائمة، و سيطرة مستقرة على إقليم واضح، و تفاعل مع شعب يخضع لها فعليًا، وإرادة سياسية دستورية مُعلنة، مشيرين إلى أنه استنادا للفقه القانوني الدولي فإن الاعتراف بالحكومات لا تمنحه الأمم المتحدة بوصفه قرارًا جماعيًا بل يأتي تقديره من الدول الأعضاء كل على حدة وأن المنظمة الدولية ذاتها تتعامل مع ما يُعرف بـالسلطة الفعلية على الأرض، على قاعدة الواقعية السياسية لا المشروعية النظرية.
ويسوقون لهذا التوجه بحالات دولية تعاملت فيها الأمم المتحدة مع سلطات غير معترف بها نظريا مثل حكومة طالبان قبل ٢٠٠١، و المجلس الانتقالي في ليبيا عام ٢٠١١، والجبهة المتحدة في كمبوديا، التي مثلت البلاد في الأمم المتحدة رغم خروجها من الحكم، و القاسم المشترك في هذه النماذج – حسب أنصار تأسيس – هو أن الأمم المتحدة إن لم تعترف رسميًأ بها لن تملك سوى التعامل الواقعي مع الطرف القادر على الفعل والتنفيذ. ويذهب هؤلاء إلى أن بعض العواصم الإقليمية والدولية سوف تتعامل مع حكومة ( تأسيس) كطرف لا غنى عنه في مستقبل السودان.
تسريبات (غير مؤكدة ) أشارت إلى وجود اتصالات مباشرة أجرتها حكومات الولايات المتحدة، وفرنسا، وكينيا مع قيادات من تأسيس ، و إن صحت هذه التسريبات ربما تكون بداية اعتراف عملي – حسب مراقبين- تحكمه المصالح الواقعية لا الاعتبارات الشكلية. فالمعادلة في القانون الدولي – وفق توقعات مؤيدي تاسيس – لم تعُد مرتبطة بشهادات الميلاد البيروقراطية، بل بالسؤال الجوهري: من يملك الأرض، ومن يخاطب الشعب.
لا يستحق النقاش
الملحق الإعلامي السابق في سفارة السودان بالولايات المتحدة الأمريكية والمحلل السياسي مكي المغربي استنكر طرح ( ترياق نيوز ) سؤال الشرعية متلازما مع يسمى بحكومة نيالا الموازية موضحا أن هذا الطرح يجعل من الموضوع حالة منطقية وارد فيها تعدد الآراء بينما هو مجرد اتجاه يخدم الخط الإعلامي للجنجويد – حسب رأيه – مشيرا إلى أن مثل هذا النقاش لا يستحق عناء المشاركة فيه.
إقرار بالتقسيم
بينما يرى القيادي بالتحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود) ماهر أبو الجوخ أن
التشخيص السياسي لواقع وجود سلطتين أو أكثر لا يحقق شرعية لأي من الطرفين باعتبار الشرعية – حسب رأيه – في السودان مفقودة منذ انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م وأن ما تعتبره سلطة بورتسودان اعتراف من الاتحاد الافريقي بسلطتهم في مقابل رفض مجلس السلم والامن الافريقي لانشاء سلطة بنيالا هو ذر للرماد في العيون فكلا السلطتين لا تحظيان بالشرعية حينما نفذا انقلاب ٢٥ أكتوبر وهو ذات الوضع المستمر بعد الحرب، وأشار الجوخ إلى أن خطورة وجود سلطتين أو اكثر أنه يفتح الباب أمام إمكانية إقرار التقسيم الإداري بأكثر من سلطة أو التقسيم السياسي لأكثر من دولة و عند حدوث ذلك تزداد الازمة عمقا وقد ويتطور الوضع المتأزم لحروب اعنف بسبب استمرار الأسباب التي أدت إلى الحرب ولذلك فإن التصور السياسي – وفق إفادته لترياق نيوز – يقوم على حل مسببات الحرب وليس التعامل مع نتائجها كمنهج يحقق ديمومة وقف وانهاء الحرب وليس تجميدها أو خلق ظروف يترتب عليها هدنة قصيرة ستنهار لا محالة وهذا التوصيف السياسي- كما يعتقد الجوخ – لرفض تكوين اكثر من سلطة في السودان في ظل واقع الحرب.
فناء محتوم
رئيس حزب الوسط السوداني د. يوسف الكودة في حديث ل ( ترياق نيوز ) أسس لمسألة الشرعية قائلا: إن مصطلح حكومة لا يكون إلا على أرض عرفت انها موطنا لهذا الشعب الذى يقطنها هو وأجداده من زمان طويل عرفوا بلغة واحدة، وسحنة معينةلا تنازعهم فيها جهة من الجهات أو يمكن أن تنشأ حكومة إذا كانت هناك قومية معينة من السكان تابعة لدولة معينة استحال العيش بينها وبين الاخرين أى مع بعضهم البعض فطلبت حق تقرير المصير الذى تكفله قوانين الأمم المتحدة وذلك لا يعتبر شرعيا إلا من خلال استفتاء عام يقضى بذلك كما حدث فى جنوب السودان أو تدخلت الأمم المتحدة مكسبة تلك الحركة الطالبة للانفصال حق الانفصال بالطبع – والحديث لدكتور الكودة – هذا بخلاف من تمرد على حكومته دون أن يكون طالبا للانفصال عن طريق قانونى مشروع مثل ما تفعل مجموعة الدعم السريع بالسودان والتى تزعم أنها ستنشئ سودانا جديدا بقوة السلاح على انقاض السودان القديم ولا تطالب بانفصال لاقليم من اقاليم السودان للنظر فى الامر وفق قوانين الأمم المتحدة وإنما تسعى لذلك من خلال ارتكاب جرائم للحرب فهذه الحركة لا مستقبل لها وإن اعترف بها ممن كانوا يدعمونها من دول خارجة على العرف والقانون والأخلاق ومصيرها الفناء عاجلا أم آجلا.













