دكتور . عثمان البشري المهدي .. يكتب .. ما بين اجتماعات نيالا.. ومركزية الخرطوم هل يذهب الأمة القومي أيدي سبأ؟!


يبدو أن حزب الأمة القومي مقبل على صيف ساخن، تفوق حرارته ما تنفث به أعتى البراكين، مصحوبًا بأتربة الخلاف والملاسنات، والتي تتضاءل أمامها «افتكاسات القونات».
حيث استبق الرئيس المكلف للحزب، والمقال من الآخرين، اللواء فضل الله برمة ناصر، الاجتماع بعدد من كوادر الحزب وقياداته المتواجدين بنيالا، باعتزامه الدعوة لمؤتمر عام لحزب الأمة القومي. في المقابل، سعت مجموعة من أعضاء رئاسة الحزب ورؤساء الحزب بالولايات، المجموعة المسماة مجازًا بجماعة بورتسودان، إلى الإعداد لاجتماع للهيئة المركزية ينعقد بالخرطوم، ستتمخض منه إقالات جديدة وكلمات «كتيرات»، لا تقل عن «كلام يا عوض دكام».
الشاهد أنه أخيرًا، إن اهتدت القيادات لمكان صيدليات تبيعهم أقراص الشجاعة، والتي تمكنهم من الجهر بالقول والفعل.
الخلافات في حزب الأمة ليست بالمستجد أو الشاذ؛ فمنذ تأسيس حزب الأمة كانت هنالك الكثير من الخلافات التي تبرز إلى السطح حينًا، وسرعان ما تخمد نيرانها. يعود ذلك إلى شخصية الزعيم وكاريزمته، والتي تستطيع السيطرة على كل الخلافات باللجوء إلى الحكمة والحلول الوسطية غير الراديكالية.
وإذا ما ألقينا نظرة إلى التاريخ القريب عقب ثورة رجب أبريل في العام 1985م، لوجدنا أن هنالك الكثير من الخلافات كانت قد ظهرت، خصوصًا من الكتل البرلمانية ومناطقها، ورغبتها في الحصول على أكثرية المقاعد. ولا يُستثنى كذلك كثير من الأفراد الذين اشتهرت خلافاتهم مع توجه الحزب، أبرزها خلاف الدكتور فضل الله علي فضل الله، وزير العمل والإصلاح الإداري، والذي كلفه الخلاف منصبه، لرؤيته المبنية على البعد الأكاديمي دون استصحاب الجانب السياسي.
تلى ذلك الخلافات حول منصب الأمين العام وتبايناته، إلا أن كل ذلك كان مقدورًا عليه، حتى تفجر بصورة سافرة من الأمين العام الذي أسقطت خطابه الهيئة المركزية، الدكتور إبراهيم الأمين، والذي ذهب مغاضبًا وشاكيًا الحزب لدى مسجل تنظيمات الأحزاب السياسية.
فالخلافات بين القيادات كانت حكمة الإمام، عليه الرضوان، كفيلة بجبهها.
أما خلاف المجموعات والتمترس حول بعض المواقف، فبدأ بانقسام حزب الأمة الإصلاح والتجديد بقيادة السيد مبارك المهدي؛ الانقسام الذي كان له ما بعده. ولعل هذا الانقسام ما كان له أن يتم لولا توفر عامل هام، ظل هو المحرك لكل الانقسامات، وهو عباءة السيد، والتي تعطي الزخم والقوة والمصداقية، أو حتى البركة في نظر البعض. فلولا وجود السيد مبارك المهدي على رأس الإصلاح والتجديد، لما استطاع «نهار ومسار» من رفع راية العصيان الحزبي. ذات الأمر يتكرر اليوم بعباءة سيد جديدة من آل الإمام المهدي.
واهمٌ من ظن أن الدعوة الآن لانعقاد اجتماع للهيئة المركزية بالخرطوم لأمر طارئ، أو هو نتاج الموقف من الحرب. نعم، قد يكون ذلك أحد الروافع للانعقاد، فأرباب الدعوة وبعض أعضاء مؤسسة الرئاسة كانت لهم خلافات قبيل توالي السيد البرير الأمانة العامة، منذ ولاية السيدة سارة نقد الله الأمانة العامة.
يذكر التاريخ أن رؤساء الأحزاب بالولايات دخلوا معها في مساجلات وخلافات دستورية حول دورهم وحدود مسؤوليتهم، وشهدت القاهرة عدة جولات ماكوكية وسفريات للالتقاء بالسيد الإمام، رئيس الحزب، لرفع مظلومياتهم، ولكن الحكمة والاحتواء، كما ذكرت، كانا كفيلين بإنهاء أي نزاع.
برحيل الإمام، كان أمر الخلاف متوقعًا أن يأخذ هذا المنحى من العنف اللفظي وعدم التوافق.
يا سبحان الله.. جاءت الحرب لتؤكد هذا المعنى، وتضع الحزب أمام فسطاطين: من معها ومن يقف ضدها، استُعملت خلال ذلك كل الحجج، بتوصيف كل فسطاط للآخر بالخوارج.
بالنظر إلى دستور حزب الأمة، والذي أضحى كالوسادة الخالية التي يستدعيها النظراء إلى مضاجعهم، وهو ذات دستور الحزب لعام 1945م، والمعدل في العام 2009م، والذي أقر بأن الهيئة المركزية، المكونة بموجب المادة 17 من الدستور، والتي هي أعلى سلطة بعد المؤتمر العام، لها الحق في المراقبة واقتراح التعديلات وانتخاب المكتب السياسي والأمين العام.
إذن، جوّز الدستور للهيئة الحق في الانعقاد من حيث الشكل، ولكن النية مبيتة أصلًا، وحان وقتها للانقضاض والقضاء على التيارات المغايرة الأخرى. وهنا مربط الفرس؛ حيث بالتأكيد سيلاقي ذلك هوًى لدى حكومة الأمر الواقع، والتي تبحث عن غطاء مدني داعم لها، وهي بلا شك لتجده في الترتيبات المزمع إخراجها من قبل اجتماع الخرطوم.
وبإلقاء نظرة أخرى لذات الدستور، فقد جوّز في حالات الطوارئ، وليس هنالك طوارئ أكثر من الحرب، «عند انقضاء أجل الأجهزة دون انعقاد المؤتمر العام تستمر الأجهزة بتسيير المهام لحين انعقاده»، وهذه حجة قوية للرافضين لانعقاد اجتماع الهيئة المركزية.
نحن أمام حالة من تضارب التفاسير لدستور الحزب؛ كلا يفصله على ما يروق له، حتى هيئة الرقابة وضبط الأداء، والمنوط بها فض النزاعات، في حد ذاتها تحتاج للضبط.
إذن، الموقف من الحرب كان كعصفور النار الذي حمل القشة التي ستحرق الجميع.
هنالك مقولة ذهبية: «العدل قبل القانون»، نستلفها لأهل الحزب: «الحكمة قبل الدستور». ففي ظل هذه الأوضاع الاستثنائية، كان يجب استدعاء الحكمة في مجابهتها. ويا ليت كان للحزب مجلس للحكماء يقوم بإطفاء هذه الحرائق، والتهدئة الإعلامية، وتقليل اللغة التصعيدية.
مجموع التناقضات ربما خلق تيارًا رابعًا مخالفًا لبورتسودان وصمود وتأسيس، يستطيع أن يلملم هذا الشعث، أو يصبح هو ذاته محورًا للخلاف.
ولكل أهل التيارات: أليس بينكم رجل رشيد؟
أخاف أن يأتي يوم، فنذكر الجميع بما فعلوا بالحزب.
كما قالت عائشة الحرة، والدة أبي عبدالله الصغير:
«أتبكي مثل النساء ملكًا مضاعًا
لم تحافظ عليه مثل الرجال».











