خالد أبو شيبة .. ” الممشى العريض ” .. الشرق بوعي إنسانه عصيء على التفتت !

رفقة الزملاء عادل سيد أحمد وعبدالباقي جبارة وتاي الله محمد سليمان جلسنا بالأمس مع ثلاثة من قادة المجلس الاستشاري لشرق السودان “دكتور طه الطاهر ومحمد أمين كباشي وأسامة سيد أحمد الكرار” في كافيه «ليالينا» بوسط البلد. كانت جلسة رائعة ثرية ومثمرة استمعنا خلالها إلى رؤية قادة المجلس لقضايا الشرق والسودان وهي في تقديري رؤية كل وطني مصلح يريد لهذا البلد أن يخرج من أزمته موحداً وقوياً وقد وجدنا أنفسنا متفقين مع كثير مما طرحوه من أفكار ورؤى.
أتيحت لي فرصة الحديث فقلت لهم إنني مثل الغالبية هربت من العاصمة بفعل الحرب واتجهت إلى مسقط رأسي في الجزيرة حيث أمضيت نحو عام عايشت خلاله عن قرب الفظائع التي ارتكبت والمعاناة التي أودت بحياة الكثير من أهلنا ثم غادرت رفقة أسرتي إلى شرق السودان وتحديداً كسلا حيث أمضينا أربعة أشهر كانت كافية لأن نتعرف عن قرب على إنسان الشرق الواعٍ، المتحضر الذي يحكم عقله قبل عاطفته حيث يستطيع المواطن البسيط فيه أن يشرح لك بوضوح مدهش أسباب الحرب وتداعياتها ويناقشك في طرق إيقافها وكأن الأمر قضية درسها طويلاً.
والأهم من ذلك أنني لمست في الشرق رغم التباين الكبير بين مكوناته الاجتماعية والقبلية قدراً عالياً من التماسك والقدرة على تجاوز الخلافات.. هناك لُحمة حقيقية تجمع الناس وشعور بأن مصير الشرق أكبر من أي خلاف عابر.
وقد شهدت بنفسي كيف يمكن أن تتضامن المكونات المختلفة مع بعضها عندما يتعرض أحد أبنائها لمشكلة وكيف تتقدم القبائل والمجتمعات لنصرة الحق دون أن تجعل الانتماء الضيق حاجزاً بينها وبين الآخرين. لذلك أقولها بوضوح أن الشرق عصيّ على التفتت وعصيّ على أن يتحول إلى ساحة للصراعات التي أنهكت بقية البلاد.
والشرق في المقابل دفع فاتورة باهظة.. استقبل النازحين واحتضن مؤسسات الدولة وتحملت بورتسودان عبء أن تكون عاصمة فعلية للبلاد لثلاث سنوات ومع ذلك لم نسمع من أهل الشرق كثيراً من المنّ أو الابتزاز السياسي لم يقولوا ماذا فعلنا ولا ماذا نستحق مقابل ما قدمناه.. لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ماذا قدم المركز للشرق؟
بورتسودان التي تحملت عبء المركز طوال هذه السنوات لا تزال تعاني مشكلات المياه والكهرباء وتراجع الخدمات في وقت كان من الأولى أن يوجه جزء معتبر من موارد الدولة لمعالجة أوضاع المدينة التي حملت الدولة على كتفيها بدلاً من تبديد الأموال في بنود واستحقاقات لا تمثل أولوية لشعب أنهكته الحرب وفي مقدمتها التزامات سياسية ومالية يمكن إعادة النظر في جدواها في ظل هذه الظروف.
لقد آن الأوان لأن ينتبه المركز إلى الشرق باعتباره شريكا أصيلاً في بناء الدولة فالشرق لم يساوم على الوطن حين كان الوطن في محنته وحان الوقت الا يساوم المركز على حقوق الشرق حين يأتي وقت الإنصاف.









