النساء.. خسائر جانبية في حرب السودان

تقرير. : طيبة سر الله
خلفت الحرب الدائرة في السودان منذ أكثر من ثلاثة أعوام أوضاعاً بالغة السوء بالنسبة للفتيات والنساء، وقد مثلت أنماط جرائم القتل والعنف الجنسي والانتهاكات الأخرى الموثقة بشاعة ما ارتكب في حق النساء اللائي عانين من التشريد وفقدان الأمان .
ومع استمرار الحرب تأكد أن النساء والفتيات السودانيات لسن ضحايا جانبيين فيها، بل هن مستهدفات عمداً من كل الأطراف المشاركة في القتال والمُحرضة عليه، وهو ما أدى لزيادة العنف القائم على النوع الاجتماعي بما في ذلك عمليات القتل خارج نطاق القضاء والاختطاف والاختفاء القسري والتعذيب والاغتصاب والاغتصاب الجماعي والاستغلال الجنسي والعمل القسري.
وأثناء عمليات النزوح المتكرر ومحاولتهن البحث عن مناطق آمنة بعيدا عن الحرب التي كانت تطاردهن من مكان لآخر واجهت النساء صعوبات تفوق مقدرتهن. هذا ما قالته سلوى أحمد التي بدأت النزوح بداية الحرب من الخرطوم إلى أم درمان، و لاحقاً إلى الولاية الشمالية قبل أن تعود مجدداً إلى الخرطوم بعد خروج الدعم السريع منها.
تصف سلوى وهى أم لثلاثة أطفال الظروف التي عايشتها خلال الحرب بالكارثية، وقد تسببت في خسارتها لممتلكاتها ومنزلها الذي تعرض للسرقة، كذلك خسرت وظيفتها في إحدى الشركات المحلية التي كانت تعمل بها لأكثر من عشرة أعوام.
وقالت سلوى لـ”السودانية نيوز”، :” عندما اندلعت الحرب في صبيحة 15 أبريل، كنت أعمل في شركة محلية براتب مجز ويدرس أطفالي في مدارس جيدة، وكنت أخطط لترميم أجزاء من منزلي وقد قمت بشراء الطوب والأسمنت، لكن عندما بدأت الاشتباكات العسكرية بالقرب من الحي الذي كنت اسكن فيه، نزحت بأطفالي إلى أم درمان على أمل أن تتوقف الحرب سريعاً. لكن بعد ثلاثة أسابيع أضطررت للنزوح للمرة الثانية إلى الولاية الشمالية ولم أستطيع العودة إلا بعد مرور عامين على الحرب”.
تضيف سلوى :” بعد خروج الدعم السريع من الخرطوم، عُدت إلى منزلي، كنت على يقين بأنه تعرض للسرقة لكن لم يخطر ببالي بأن السرقة تكون بهذه الطريقة. لم تتوقف عمليات السرقة عند الأثاث والأواني والأدوات الكهربائية، ولا حتى مواد البناء التي كانت جاهزة، إنما حتى الأبواب والشبابيك تم اقتلاعها من مكانها وتحول البيت إلى حطام لا يصلح للسكن نهائياً”.
وتتابع:” رغم أن ما تعرضت له قد يكون أقل ضرراً مقارنة بالآخرين الذين فقدوا أقاربهم أو أرواحهم، لكن في النهاية فقد خسر أطفالي فرصتهم في التعليم وخسرت أنا وظيفتي ومنزلي وتحولت أسرتي حاليا إلى شبه مشردين ونعتمد على الإعانات التي يقدمها لنا الأهل والأقارب”.
بينما كانت الطالبة عائشة يوسف وهو اسم مستعار بناء على طلبها تتجهز للجلوس للامتحان بإحدى الجامعات بالخرطوم، اندلعت الحرب وقبل أن تفوق من صدمتها أعلنت الجامعة التوقف عن الدراسة وتعليق الامتحانات مما دفع قسمة التي كانت تقيم بالداخلية التابعة للجامعة للانتقال لأسرتها بأم درمان.
تقول عائشة لـ”السودانية نيوز”، :” لم أتخيل أنني سوف أترك الدراسة للأبد لكن هذا ما حدث بعد مرور ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب”.
تضيف” عندما أعلنت الجامعة توقف الدراسة وتعليق الإمتحانات ظننت أن الأمور سوف تعود لطبيعتها بعد فترة قليلة، لكن بعد أيام من الحرب وصل الدعم السريع إلى المنطقة التي نعيش فيها في أم درمان وسيطر عليها تماما مما جعلنا غير قادرين على النزوح ولا حتى الحركة داخل الحي. أصبحنا نحن الفتيات نختبئ داخل الغرف كلما شعرنا بحركة الجنود يقتربون من المنزل وخلال سيطرتهم تعرضنا لكثير من انتهاكات الجسدية وقد تعدوا علينا عدة مرات ونهبوا ممتلكاتنا وأغراضنا الشخصية وقد تمكنا بعد سبعة أشهر من مغادرة الحي ووصلنا بصعوبة بالغة لشمال أم درمان ومنها نزحت إلى بورتسودان وبقينا في مخيم للنازحين حتى يونيو/ حزيران 2025″.
تضيف” خلال الثلاثة أعوام فشلت في مواصلة الدراسة التي كانت في البداية بواسطة الانترنيت بسبب حجب الاتصالات في مناطق سيطرة الدعم السريع، وعندما نزحت لبورتسودان لم يكن لدى هاتف ولا جهاز كمبيوتر وحين أصبحت الدراسة حضوريا من داخل الجامعة لم اتمكن من تسديد الرسوم المالية التي فرضتها الجامعة وقد أكملت دفعتي دراستهم وتخرجوا”.
تتشارك كثير من النساء السودانيات قصص معاناة قاسية تعرضن لها خلال الحرب، وتقول يسرى السر (38 عاماً) والتي كانت تعمل قبل الحرب موظفة حسابات بإحدى الشركات التابعة لوزارة المالية لـ”السودانية”، :” عندما بدأت الحرب، لم أتوقع أن تتغير حالي بهذه الصورة وأتحول للاجئة في أفريقيا انتظر الحصول على المساعدات الإنسانية غير المنتظمة بعد أن كان لدى منزل مؤسس جيداً ومرتب شهري يكفي أسرتي بارتياح دون أي معاناة”.
وتشير السر إلى كيف تغير حالها بعد الحرب وتقول :” جربت مخاطر النزوح لأول مرة في حياتي، وذهبت بأسرتي إلى قرية نائية في ولاية نهر النيل (شمال الخرطوم) وبسبب سوء الأوضاع والخوف من امتداد الحرب إلى هناك، أضطررت إلى اللجوء ليوغندا التي وصلتها منهكة القوى ومعدمة تماما لا أملك من المال ما يكفي لتوفير احتياجات أسرتي يوما واحدا”.
تضيف ” كانت تجربة النزوح واللجوء من أكثر التجارب مأساوية في حياتي، لم يسبق لي السير على الأقدام لمسافات طويلة ولم يسبق لي النوم على الأرض بدون أغطية ولم يسبق أن شعرت بالمهانة والذل والخوف لكن بعد الحرب وأثناء النزوح جربت كل هذا وكانت تجربة قاسية ومؤلمة بصورة لا تطاق. حاليا خسرت كل مدخراتي وخسرنا منزلنا وفقدت وظيفتي ولو توقفت الحرب لا أعرف كيف أبدأ حياتي من جديد. أشعر بأنني حائرة”.
بدورها واجهت فاطمة أحمد (62 عاماً) أوضاعاً مؤلمة في أم درمان التي كان يسيطر عليها الدعم السريع قبل نزوحها إلى إقليم دارفور في يوليو/ تموز 2025، وقالت فاطمة وهى أم لستة أبناء وبنتين لـ”السودانية نيوز “، :” بعد أيام قليلة من بدء الحرب جاء الدعم السريع وسيطر على المنطقة، وكانت الحياة تسير عادية إلى أن أصبح الجيش يقصف مناطق سيطرة الدعم السريع بالطائرة الحربية والمدافع التي تصل لمدى بعيد وتسقط كيفما تشاء دون أي












