الجميل الفاضل يكتب: السودان ولغز “النعجة العرجاء”؟!
في حكمةٍ تسير على ألسنة الرعاة كأنها آيةٌ من سفر البراري، يُقال: "النعجة العرجاء تأتي أولًا حين يقفل القطيع راجعًا".

في حكمةٍ تسير على ألسنة الرعاة كأنها آيةٌ من سفر البراري، يُقال:
“النعجة العرجاء تأتي أولًا حين يقفل القطيع راجعًا”.
هي ليست صورةً تُرى بالعين، لكنها إشارةٌ تُلتقط بعين أخري هي عين البصيرة؛ فالعرج هنا ليس نقصًا في الخطو، لكنه زيادةٌ وعي خاص، وبمثلما أنه ليس تعثّرًا علي الطريق، فهو استعجالٌ خفيّ نحو غاية بعيدة.
إنه الجرحُ حين يتحوّل إلى بوصلة، والنقصُ حين ينقلب سرًّا من أسرار السبق.
في عالم اليوم الذي يدور بين فكي رحي:
هناك، هوسٌ ماديّ يُحول الإنسان لسلعة، يُعيد بيعها له هو نفسه في واجهات الاستهلاك، وهوسٌ دينيّ يُؤلّه العنف، ويستعير من السماء سوطًا ليحكم به الأرض.
طرفان يبدوان نقيضين، غير أنهما يلتقيان في قاعٍ واحد:
طمس الروح، وإقامة أصنامٍ جديدة، لا تُنحت من حجر، بل من أفكار مهووسه.
هناك، عند رأس هذا القطيع، يركض العالم المتقدّم، بأرجلٍ فولاذية، ونَفَسٍ لاهث، نحو صخرةٍ لا تُرى، لكنها أقرب إليه من ظله: هي في النهاية صخرة خاوية بلا قلب ولا محتوي.
وفي الطرف الآخر من المشهد، يقف السودان، أعرجَ، نعم، بيد أن عرجه هذا ليس عطبًا، إذ هو فقط أثرُ نارٍ مرّت من هنا.
هي ثلاثة عقود بأكملها عاشها السودان محترقا في فرن هذا الهوس الديني، جعلت جسده مثقلاً، لكنها عقود صقلت فيه حاسّةً نادرة:
حاسة التمييز بين القشرة والجوهر، بين الشعار والحقيقة.
إذ لم يكن ذلك السقوط في هذا المستنقع عبثًا.
لقد رآه محمود محمد طه، ببصيرته الحادة، ضرورةً من ضرورات هذه المرحلة؛ هي تجربةً قاسية، نعم، لكنها وفق تعبيره: ” تجربة مفيدة للغاية”، لأنها تُورّث هذا الشعب مناعةً لا تُشترى: مناعة ضد خداع المقدّس حين يُسخّر للسلطة، وضد تزييف الروح حين تُلبس قناعًا.
ذلك “الكيّ” لم يُحرق الجلد فقط، فقد اصطلي بناره حتي اللحم الحي منا.
ليدعنا نقف، عراةً من أوهامنا، نردّد مع محمود درويش:
“لسنا ملائكةً… كما كنّا نظن”.
من هذا الانكشاف بالضبط، بدأنا رحلة الهبوط:
من وهم الصفاء إلى صدق التراب، من ادّعاء العلوّ إلى اعتراف الآدمية.
هناك الآن، بجوف هذا القاع السحيق، تبدأ أجنحةٌ لا تُرى في التشكّل.
لتقول أن سرّ السودان ليس في أن يُقلّد؛ وأن الأرجل الخشبية لا تصنع له سبقًا، ولا تُنبت فيه روحًا.
وأن السودان لن يكون كاليفورنيا، ولا سنغافورة أخري، لأنه ليس معنيًّا بأن يكون صورةً من غيره.
وأن سره في مكانٍ آخر:
في نارٍ تحت الرماد، في “جبّ حمار” موحلٍ، سقط في طين “الشيخ الشايقي” وبدا كأنه نهاية حكاية، بينما في باطنه بئر للتزود ببنزين روحي، من شأنه أن يحول الطين ذاته إلى وقود، والسقوط إلى طيران.
كأن القدر، وهو يُبطئ خطى هذا البلد، كان يُخفيه عن سباقٍ زائف، ليحفظ فيه وديعةً لا تُفتح إلا في أوانها:
ولايةً مكتومة، تنتظر اكتمال الدائرة.
“لن نستكمل ثُلّتنا حتى نستعين بالسودان من رعاة الإبل”
هكذا يجيء النداء من جهة الغيب، لا كمديحٍ عابر، لكن كإشارةٍ إلى دورٍ لم يُكتب بعد في دفاتر الأرض.
فهذا السودان، هو كوش التي مرّت في سفر إشعياء كغمامة رهبة، لا تُقاس بقوة السلاح، بل بكثافة النَّفَس، الذي لا تلتقطه أجهزة المختبر، ولا تُحيط به معادلات المادة.
حقائق تجعل من هذه الحرب، بكل قسوتها، مجرد مخاضٌ عنيف:
وحالة استفراغٌ كونيّ لما تراكم من صديد، وتطهيرٌ لا يتمّ سوي بالنار.
إذ أن النار وحدها هي التي تعرف كيف تُعيد تعريف الذهب.
وبالطبع فحين يسيل القيح القديم، يخفّ تلقائيا الجسد، لتستعيد الروح وزنها الحقيقي.
لهذا، لسنا الآن بصدد ترميم عطبٍ بأطرافٍ مستعارة، لكننا بصدد إيقاظ طاقةٍ دفينة، طاقةٍ تجعل من الجرح جناحًا، ومن الندبة نافذة.
رغم أن السودان لا زال يسير الي اليوم خلف القطيع، متعثّرًا، متأخرًا، مُنهكًا.
لكن قصته لا تُقرأ بالضرورة من أمامه دائمًا.
فوقت يستدير القطيع، بعد أن يصطدم بحائط غفلته الكبرى، سيحدث ما لا يُتوقّع:
ستكون “النعجة العرجاء” ذاتها، هذه التي ظُنّ البعض أنها آخر الواصلين، في مقدمة العائدين.
لا تسقط،
لا تزحف،
بل ستمشي
سويّةً،
على صراطٍ مستقيم.






