اعمدة

عبدالباقي جبارة .. يكتب : “فزع الحروف” الشيخ الصباح.. رحيل أبكى السودانيين قبل المصريين

مع إيماننا التام بأن الموت حق، وأن كل من عليها فانٍ، وأن هذه الدنيا دار ممر وليست دار مقر، وبما أننا في كل لحظة وكل ساعة نفقد أناسًا، وأحيانًا نسمع برحيل أعداد جماعية سواء في الحوادث أو الحروب، فمن المؤكد أن رحيلهم يؤلم ذويهم، خاصة الأقارب من الدرجة الأولى. لكن هناك أناسًا يكون رحيلهم موجعًا للقريب والبعيد، حتى لمن يعرف أعمالهم ولا يعرفهم شخصيًا.

 

 

 

 

   مع إيماننا التام بأن الموت حق، وأن كل من عليها فانٍ، وأن هذه الدنيا دار ممر وليست دار مقر، وبما أننا في كل لحظة وكل ساعة نفقد أناسًا، وأحيانًا نسمع برحيل أعداد جماعية سواء في الحوادث أو الحروب، فمن المؤكد أن رحيلهم يؤلم ذويهم، خاصة الأقارب من الدرجة الأولى. لكن هناك أناسًا يكون رحيلهم موجعًا للقريب والبعيد، حتى لمن يعرف أعمالهم ولا يعرفهم شخصيًا.
واحد من هؤلاء هو الرجل الذي رحل عن هذه الفانية أمس: الشيخ الصباح محمد الصباح، الرجل الذي نحسبه أمةً في رجل. عرف الحق وعمل به. ورغم معرفتي به القصيرة منذ أن سكنت جواره هنا في منطقة فيصل بالجيزة، فقد كان رجلًا كالنسمة؛ يألف ويؤلف، قوي الشكيمة، يتمتع بالحكمة ويعلوه الوقار. كان ملاذًا للناس كبارًا وصغارًا، كريمًا جوادًا، لا يميز في بذل أعمال الخير بين مصري وسوداني، ولا بين أبيض وأسود.
نشهد له أنه كان صابرًا على ابتلاء المرض، حتى قبل رحيله بساعات، كان يتفقد جيرانه ويسأل السودانيين عن أخبار بلدهم المنكوب، ويبعث الطمأنينة في نفوسهم بأنهم موعودون بالخير، وأنهم سيعودون إلى بلدهم وهو في حالٍ أفضل.
ورغم أن الآجال بيد الله، إلا أن الشيخ الصباح بدا وكأنه أكثر استعدادًا للرحيل؛ فخلال أيام عيد الفطر المبارك، فتح متجره للملبوسات للجميع مجانًا لوجه الله، دون منٍّ أو أذى، وأدخل الفرحة على عشرات الأسر، أغلبهم من السودانيين. نسأل الله أن يكون ذلك سترًا له من النار.
والفضل ما شهد به عارفو فضله، حيث ذكر إمام المسجد في خطبة الجمعة أنه لا يوجد منزل في هذا الحي إلا وترك فيه الشيخ الصباح بصمة خير. كما رأينا كيف كان يعالج أي مشكلة بحكمة، ويستجيب له المتخاصمون، ولا يستطيع أحد أن يرفض له كلمة. ولم يُسمع له صوت مرتفع، ولم يكن فظًا ولا غليظ القلب.
وكانت لحظات رحيله تجسد حسن الخاتمة بإذن الله؛ إذ كان يعمل عمل أهل الجنة حتى آخر لحظة في حياته. وقد فاض المسجد وشوارعه بالمصلين عليه، ورأينا كيف بكاه الرجال قبل النساء، وكيف بكاه السودانيون قبل المصريين.
ونشهد لك بأن أهلنا السودانيين استجاروا بك فأجرتهم، فأجارك الله، وآويتهم فآواك الله. وليس غاليًا على ربك يا أيها الرجل الأمة، لكن حتمًا ستفتقدك أعمال الخير، ويفتقدك إصلاح ذات البين، وتفتقدك المآذن والمنابر وبيوت الله في الأرض.
اللهم ابنِ له بيتًا في الجنة، وارفع مقامه، وتقبله عندك في مقام الشهداء والصديقين، وأكرم نزله، ووسع مرقده، واجعل القرآن أنيسه، ومحمدًا صلى الله عليه وسلم شفيعه، واجعل أعماله في الدنيا صدقة جارية له، وبارك في ذريته، وألهمنا وذويه وعارفي فضله الصبر والسلوان.
ولا نقول إلا ما يرضي الله:
إنا لله وإنا إليه راجعون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى