اعمدة

دكتور .رائد ناجي .. يكتب .. بين النص والوسيط: كيف تحوّل خطاب التيار المدخلي من سلطة الوحي إلى سلطة الشيوخ؟

يُلاحظ في خطاب التيار المدخلي ميلٌ واضح إلى إسناد أقواله ومواقفه إلى شيوخه المعاصرين أو القريبين زمنياً، أكثر من إسنادها إلى النصوص المؤسسة أو إلى النبي ﷺ مباشرة. هذا السلوك ليس

 

 

 

يُلاحظ في خطاب التيار المدخلي ميلٌ واضح إلى إسناد أقواله ومواقفه إلى شيوخه المعاصرين أو القريبين زمنياً، أكثر من إسنادها إلى النصوص المؤسسة أو إلى النبي ﷺ مباشرة. هذا السلوك ليس عارضاً، بل يمكن تفكيكه ضمن بنية فكرية ومنهجية متكاملة تقوم على مركزية “التلقي المنضبط” لا “الاجتهاد المباشر”.
أولاً، يقوم هذا التيار على فكرة سدّ ذرائع الخطأ في الفهم، ولذلك يُقدِّم “الوسيط العالِم” بوصفه الضامن لصحة الاستنباط. فبدلاً من الرجوع المباشر إلى النص، يُعاد تأطيره من خلال فهم الشيخ، باعتباره امتداداً لسلسلة من الضبط العلمي. هنا تتحول المرجعية من “النص المؤسِّس” إلى “النص المشروح”، ومن الأصل إلى الشرح، ومن الوحي إلى التأويل المأذون به.
ثانياً، يرتبط ذلك بالخوف العميق من الفوضى التأويلية. التيار المدخلي يرى أن فتح باب الإحالة المباشرة للنصوص قد يفضي إلى تعدد القراءات، ومن ثم إلى التشظي العقدي أو السلوكي. لذا يتم تثبيت المعنى عبر أسماء محددة، تُمنح صفة “المرجعية الموثوقة”. في هذه الحالة، لا يكون الاستدلال مجرد عملية علمية، بل يصبح أيضاً عملية ضبط للانتماء والولاء.
ثالثاً، هناك بُعد سوسيولوجي؛ إذ يؤدي الإكثار من نسبة الأقوال إلى الشيوخ إلى بناء هرم رمزي للسلطة داخل التيار. فالإحالة إلى الشيخ ليست فقط توثيقاً علمياً، بل إعلان اصطفاف. إنها علامة هوية، تُميّز “أهل المنهج” عن غيرهم، وتُعيد إنتاج الجماعة فكرياً ونفسياً.
رابعاً، يعكس هذا السلوك فهماً خاصاً لمعنى الاتباع. فبدلاً من التركيز على الاتباع المباشر للنص، يتم التركيز على “اتباع من يفهم النص على الوجه الصحيح”. وبذلك يصبح الشيخ حلقةً مركزية في عملية التدين، لا مجرد مُفسِّر عابر. هذا التحول يُنتج نوعاً من “التدين بالواسطة”، حيث يُعاد تشكيل العلاقة مع النص عبر وسيط بشري مُقدَّم بوصفه الأقدر على فهمه.
خامساً، لا يمكن إغفال البعد الجدلي؛ إذ يُستخدم إسناد الأقوال إلى الشيوخ كأداة حجاجية في مواجهة التيارات الأخرى. فبدلاً من النقاش على مستوى الدليل، يتم أحياناً الانتقال إلى مستوى “من قال؟” لا “ماذا قيل؟”، بما يُكسب الخطاب قوة رمزية أكثر من كونه قوة استدلالية خالصة.
خلاصة القول، إن كثافة الإحالة إلى الشيوخ في الخطاب المدخلي ليست مجرد عادة علمية، بل هي جزء من منظومة أوسع تهدف إلى ضبط الفهم، وتحديد الهوية، وإدارة الاختلاف. غير أن هذا النهج يطرح سؤالاً مفتوحاً: هل يحمي النص من سوء الفهم، أم يُعيد حصره داخل أطر بشرية قد تُقيّد حيويته واتساعه؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى